وتجدر الإشارة هنا إلى أن الكنيسة الغربية في عصور الظلام أي في القرون الوسطى كانت تعتبر كل باحث عن الحقيقة مرتدًا عن الدين وتطارده بقسوة، وكان يكفي أن يتهم كل من يقوم بأعمال غير مفهومة لعامة الناس بأنه ساحر يستحضر الأرواح والجن والشياطين.
وهكذا فقد كان الجهل سيفًا مسلطًا على المتنورين الذين لوحقوا بتهمة الهرطقة، وهي مفارقة عجيبة وقع في حبائلها حتى البابا"سيليفستر الثاني (1) "
(1) - هو"هربرت"المولود في"أريباك"والذي عاش في سنة الألف الميلادية، كان عالمًا كبيرًا تفوق على جميع معاصريه في غربي أوربا، أتقن الرياضيات بشكل لم يعرفها سواه، وكتب عنه"مالمسبيري"في"سفر التاريخ"بنى هربرت في مدينة"رين"- وكان إقطاعيًا من شامبانيا - نوافير آية في الجمال تصب ماءها في روضة غناء فتصدر عنها أصواتًا إيقاعية منسجمة، تعيد للذاكرة لحنًا ما، وفيما بعد نصب هذا الشخص بابا واشتهر باسم"سلفستر الثاني"لكن تبين أنه يتقن الفيزياء أكثر من إتقانه القيام بواجبات البابا، فاتهمه رجال الكنيسة بأنه يقوم على خدمة الشيطان.
وقد ورد على لسان كاتب سير الباباوات المعروف بلاتينا أن البابا"سيلفستر الثاني"كان يقضي الليالي بانتظام وهو يتحدث إلى الشيطان، ويرون فيما يصفونه إدانة له - أنه اعترف قبل أن توافيه المنية، بأنه كثيرًا ما تحادث مع الشيطان وطلب أن تسجى جثته بعد موته في مركبة مصنوعة من خشب لشجرة اقتطعت لتوها، وأن يشد إلى المركبة حصانان أحدهما أسود والثاني أبيض، وأن يطلقونهما يعدوان بحرية في الشوارع، ثم يقومان بدفنه حيث يتوقفان، وهذا ما حصل بالفعل، فقد انطلق الحصانان يجران المركبة في عديد من شوارع روما وأمام كنيسة لاتيران، وهو المكان الذي دفن فيه البابا"صديق الشيطان"وسط هتاف الآلاف الصاخبة من سكان روما.
وثمة حادثة أخرى تم فيها وصم إنسان بأنه ساحر وكان هذا هو شارل مارتيل رجل البلاط ذائع الصيت والإقطاعي صاحب النفوذ الذي أوقف تقدم العرب في فرنسا.
لم يكن شارل مارتيل بالرجل الذي يمكن أن يوصف بالمتدين وورد في الأسفار التاريخية التي تناولت حياته بأنه كان مكروهًا من الرهبان ورجال الكنيسة الذين اتهموه بالفظاظة ويروون عنه أنه لم يشاهد مرةً واحدةً وهو يصلي، وفرض على الكنائس والأديرة دفع أموال استغلها في الإنفاق على تجهيز القوات، وكان أكثر ما يشغله عادةً تدل على عدم التقوى وهي تقديم الهدايا لأصحابه القدامى، وإطلاق الحرية ليديه في التدخل بقضايا وشؤون تهم الكنيسة وحدها دون غيرها.
ونحدث الرهبان عنه أيضًا فقالوا أنهم لم يتذكروا أنه خسر معركة واحدة، ولم يكن ليتقرب من الرب حيث ( كان يقف قبل كل معركة ساعات أمام الشباك التي تنسجها العناكب يعد خيوطها ويحضر لعملية سحر لاحقة وبفضل هذا وحده ربح المعركة.
ويروي القديس"إيفغيري"أسقف أوربان أنه كثيرًا ما رأى في منامه"شارل"وهو يحترق في نار جهنم، وإن ملاكًا قال له: إن القديسين حماة الكنيسة الذين ابتزهم شارل هم الذين حرموه دخول الجنة، وطلبوا أيضًا إلقاء جثته خارج القبر.
وكتب"إيفغيري"إلى القديس"يونيغاتسيا"مطران أبرشية"موغونتي وفولرادو"الذي يعيش في بلاط الملك"بيبان"ابن شارل يعلمه بما رآه في منامه، وقام رجال الدين بفتح القبر لكنهم لم يعثروا على الجثة وإنما وجدوا فقط ملابس شارل البالية، وانبعثت من القبر رائحة نتنة كريهة جدًا، ثم سمعوا فحيح أفعى هائلة وهي تطل منه.
هذا ما قاله رجال الكنيسة بحق هذا القائد وهو غيض من فيض.
واتهموا بممارسة السحر والشعوذة فيلسوف القرن الثالث عشر"البرت الكبير"لأنه استطاع أن يبرز في علوم عديدة، فقد أوتي قدرًا كبيرًا من المعرفة بالكيمياء والفيزياء وعلمي النبات والحيوان التي كانت معارف نادرة في ذلك العصر، فبدا في مخيلة عامة الناس أنه كبير السحرة، وجاء في بعض الأسفار أن"البرت"اكتشف حجر الفلاسفة، وورد في غيرها أنه نجح في صنع إنسان آلي يعمل ويتكلم ويجيب على كافة الأسئلة التي توجه إليه، وأن"توما ألاكويني"معاصر"البرت الكبير"الذي أرَّخَ الكنيسة قد حطم في ثورة غضب الإنسان الآلي هذا بعصا غليظة بعد أن عجز عن فهم طبيعة تكوينه.
كانت محاكم التفتيش شبحًا رهيبًا خيم على أوربا سنين طويلة، وقد شكلتها الكنيسة الغربية في القرون الوسطى لتقوم بملاحقة المارقين على الدين من الهراطقة، لكنها وقبل عدة سنوات من تاريخه راحت تطارد السحرة أيضًا. لم يتعرض المارقون على الدين حتى هذا التاريخ للملاحقة، ولم يمثل السحرة أمام المحاكم، وبمجرد أن أصبحت الظروف سانحة بالنسبة للكنيسة وتهيأت فرص ملائمة بدأت بملاحقة الهراطقة وشنقهم، وكان ذلك في القرن الذي نتحدث عنه وهو القرن الرابع عشر حيث راحت تطاردهم، وظهر نتيجة ذلك في أوربا أعداد كبيرة من المحاكم، وأصبحت مشاهد أعواد المشانق وعمليات الإعدام مظاهر عادية مألوفة =
= وكان أول من نادى بضرورة تقديم السحرة والمشعوذين للمحاكم وشنقهم هو البابا"يوحنا الثاني والعشرين"ويعزو المؤرخ"ب موريل"ذلك إلى جبن البابا نفسه والوساوس التي انتابته من خصومه، إذ كان يشكو على الدوام أنهم يهددون حياته بأعمالهم السحرية، فأمر عام 1317 في البدء بملاحقة أعداد كبيرة من القائمين على خدمة الكنيسة والكرسي المقدس، واضطر الناس تحت ألوان التعذيب الرهيبة إلى الاعتراف بذنوبهم والإدلاء بما يمليه عليهم القائمون على تعذيبهم، وسرعان ما أوكل"يوحنا الثاني والعشرون"لديوان التفتيش في الفاتيكان مهمة الكشف عن كل ما يمت للسحر والشعوذة بصلة، وإصدار إرادة بابوية حملت اسم"سوبر الليوس سبيكولا"نصت على تشريع يقضي بضرورة إعدام من يمارسون السحر، وعلى أن تنطبق عليهم الأحكام والقوانين النافذة بالنسبة للمارقين على الدين، أي الشنق أو الحرق ومصادرة ممتلكاتهم.
ونورد - على سبيل الذكر لا الحصر - مقتطفات من إرادة هذا البابا السيئ الذكر، والتي كان من نتائجها أن أودت وبشكل مريع بحياة الآلاف من البشر:
(( هناك أناس لا يمتون للمسيحية بأية صلة إلا بأسمائهم التي يكنون بها، أنكروا المعجزات والحقائق الإلهية وعقدوا في الخفاء صفقات مع قوى شريرة، يركعون للشيطان ويقدمون له القرابين، ويرسمون بأنفسهم أو يحصلون من غيرهم على صور تمثل قديسين ودوائر ومرايا ليدخلوا بعد ذلك وبفضل فنونهم السحرية بخلوة مع الشيطان يطلبون منه الإجابة على أسئلة مختلفة، وأن يمد لهم يد العون في تنفيذ أفكارهم المناهضة للمسيحية، ليتحولوا بفعلهم الخسيس هذا إلى عبيد وأتباع لهم ) ).
ويشير الأخصائي"لي"الذي تركزت أعماله حول تقصي أخبار مطاردة الفاتيكان للهراطقة، إلى أن تشريعات البابا"يوحنا الثاني والعشرين"التي ألزمت محاكم التفتيش بالتخلص من المشتبه بهم بالمروق على الدين، قد أسفرت عن نتائج مناقضة تمامًا لما كان يتوخى منها، إذ عملت أكثر فأكثر على الترويج للسحر بين الجماهير الذين ظهرت لديهم قناعات بأنه يمثل في الواقع شيئًا جديًا يستحق الاهتمام في الوقت الذي أصبحت فيه المراسيم البابوية للكنيسة الغربية عقيدةً"دوغماتية"جامدة.