الصفحة 34 من 204

وشرد"كوسا"بتفكيره فيما كان ينحني فوق وعاء من الماء تغسل الخادمة له جرحه منه، وراح يفكر في ما تسنى له ملاحظته في الغرفة القريبة التي دخلتها مرتين، وبالأشياء غير المألوفة التي تملؤها، كانت جدرانها قاتمة تميل إلى السواد وقد رسمت عليها أشكال بوجوه بشعة تبعث على الرعب، وتحتها ومن حولها إشارات أشبه ما تكون بالخطوط الهيروغليفية، وشاهد رسومًا لطيور خرافية ببراثن هائلة جدًا، وتقابلت على طاولة جمجمتان تبتسم الواحدة للأخرى بخبث، وقد انبعث بصيص ضوء أحمر من مصابيح صغيرة ثبتت في محاجر عيونها، وانتصب في نهاية الغرفة هيكلان عظيمان فيما حطت على الأرض تقريبًا من الموقد طيور محنطة وخفافيش غريبة كالطيور التي يرد ذكرها عادةً في الأساطير والخرافات، وتسنى لِ"بالتازار كوسا"أن يلحظ على أرض الغرفة أيضًا رسومات لأشكال هندسية غير مألوفة، وحروفًا وكلمات وصورًا من ورق لعب مبعثرة هنا وهناك، وخنجرًا مغمدًا في مركز دائرة مرسومة، وعلى طاولة أخرى برزت هاونات تظهر منها مدقات ولعلها كانت مملوءة بشيء ما، وقد ارتمت حولها ثلاثة قلوب مصنوعة من المعدن أو الخشب أو الحجارة لا يدري، كل ما يدريه أن هذه القلوب كانت ملطخة بلون أحمر، فبانت له وكأنها تنزف دمًا.

غرق"بابا"المستقبل وسط هذه الدوامة من الأفكار والظنون وراح يتساءل بينه وبين نفسه ترى من تكون هذه الفتاة؟ وكيف تقوى على العيش في هذا الجو المخيف؟

لم يكن بودِّه أن يستفسر من الخادمة أو أن يطرح سؤالًا على أحد، كما لم يكن باستطاعته في نفس الوقت أن ينسى التفكير في أنه شاهد العجب في هذه الغرفة الغامضة التي تمثل بالنسبة له لغزًا محيرًا، وكان آخر ما فكر فيه هو كيف لم يعثر عليها أعضاء محاكم التفتيش ورسل البابا الذين يجوبون أقطار أوربا طولًا وعرضًا بحثًا عن أمثالها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت