إذا لبس الواحد منا زي أهل الرياضة فإنه يجد في نفسه نشاطًا وحركة وخفة وتوثبًا، وإذا لبس زي العلماء فإنه يجد في نفسه ميلًا إلى الوقار، وإذا لبس الإنسان زي الجند والمقاتلة فإنه يجد في نفسه اندفاعًا إلى القوة والشدة وأخلاق المقاتلين دون التميع وما إلى ذلك من الأخلاق التي لا تناسب هؤلاء، فلا شك أن اللباس يؤثر، وأن ما يجده الإنسان في الظاهر يؤثر في داخله وفي باطنه.
وأنت الآن جالس في هذا الموضع من الأرض تصور أنك في الدور التاسع عشر كيف يكون شعورك؟ هل يكون شعورك كما هو شعورك الآن؟ الجواب: لا، بل ستجد شعورًا مباينًا
تخيل الآن أنك دخلت في بلد كما قيل:
ولكن ما الفتى العربي فيها ... غريب الوجه واليد واللسانِ
لو دخلت بلدًا لا تعرف أهلها، ولا تعرف لغتهم، وهيئتهم تغاير هيئتك، ولغتهم تغاير لغتك، فجلست في قاعة كبيرة فيها أقوام من هؤلاء الذين يختلفون عنك في كل شيء، وأنت غريب بينهم، فدخل رجل آخر يلبس كما تلبس، أما تجد في نفسك انجذابًا قويًا إلى هذا الإنسان؟ لا شك أنك تجد ذلك.
تصور لو أنك الآن نظرت إلى أحد الحضور فوجدت أنه يلبس كساعتك، وعمامةً كعمامتك، وثوبًا كثوبك ويركب سارة كسيارتك، وتزيّ بزيك، وبينك وبينه شبه في الوجه وفي هيئة الجسد وما إلى ذلك، أما تجد في نفسك انجذابًا إليه، وإن حاولت أن تسيطر على نفسك بأن لا تبدي هذا الانجذاب؟ لا شك أنك تجد ذلك.
فأقول: الظاهر يؤثر في الباطن؛ ولذلك ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- أن الإنسان لربما يكون له معارف في بلده لربما يراهم حتى لا يُسلم عليهم، فإذا سافر إلى بلد غربه ووجد أحدًا من أهل بلده فإنه يكون بينه وبينه من الود والألفة والمصافاة والمجالسة وما إلى ذلك ما لا يقادر قدره، أليس هذا من الأمور الواقعة؟ لا شك أنه كذلك.