""""""صفحة رقم 5""""""
والشاهد والغائب ، والرفيع والوضيع ، والغث والسمين ، والشكل وخلافه ، والجنس وضده ؛ وبعد فما رأيت بستانًا يحمل في ردن ، وروضة تنقل في حجر ، ينطق عن الموتى ويترجم عن الأحياء ، ومن لك بمؤنس لا ينام إلا بنومك ولا ينطق إلا بما تهوى ، آمن من الأرض وأكتم للسر من صاحب السر ، وأحفظ للوديعة من أرباب الوديعة ؛ ولا أعلم جارًا آمن ، ولا خليطًا أنصف ، ولا رفيقًا أطوع ، ولا معلمًا أخضع ، ولا صاحبًا أظهر كفاية وعناية ، ولا أقل أملاكًا ولا إبراما ، ولا أبعد من مراء ، ولا أترك لشغب ، ولا أزهد في جدال ، ولا أكف في قتال من كتاب ، ولا أعم بيانًا ، ولا أحسن مؤاتاةً ، ولا عجل مكافأةً ، ولا شجرة أطول عمرًا ، ولا أطيب ثمرًا ، ولا أقرب مجتنى ، ولا أسرع إدراكًا ، ولا أوجد في كل إبان من كتاب . ولا أعلم نتاجًا في حداثة سنه ، وقرب ميلاده ، ورخص ثمنه وإمكان وجوده ، يجمع من السير العجيبة ، والعلوم الغريبة ، وآثار العقول الصحيحة ومحمود الأذهان اللطيفة ، ومن الحكم الرفيعة ، والمذاهب القديمة ، والتجارب الحكيمة والأخبار عن القرون الماضية ، والبلاد النازحة ، والأمثال السائرة والأمم البائدة ما يجمعه كتاب ، ومن لك بزائر إن شئت كانت زيارته غبًا وورده خمسًا ، وإن شئت لزمك لزوم ظلك ، وكان منك كبعضك . والكتاب هو الجليس الذي لا يطريك ، والصديق الذي لا يستبطئك ، والصاحب الذي لا يريد استخراج ما عندك بالملق ، ولا يعاملك بالمكر ، ولا يخدعك بالنفاق . والكتاب هو الذي إن نظرت فيه أطال إمتاعك ، وشحذ طباعك ، وبسط لسانك ، وجود بيانك ، وفخم ألفاظك ، وبجح نفسك ، وعمر صدرك ، ومنحك تعظيم العوام وصداقة الملوك ، يطيعك بالليل طاعته بالنهار ، وفي السفر طاعته في الحضر ، وهو المعلم إن افتقرت إليه لا يحقرك ، وإن قطعت عنه المادة لم يقطع عنك الفائدة ، وإن عزلت لم يدع طاعتك ، وإن هبت ريح أعدائك لم ينقلب عليك ، ومتى كنت متعلقًا منه بأدنى حبل لم تضطرك معه وحشة الوحدة إلى جليس السوء ، وإن أمثل ما يقطع به الفراغ نهارهم وأصحاب الكفايات ساعات ليلهم ، نظر في كتاب لا يزال لهم فيه ازدياد في تجربة ، وعقل ومروءة وصون عرض وإصلاح دين ، وتثمير مال ، ورب صنيعة ، وابتداء إنعام . ولو لم يكن من فضله عليك ، وإحسانه إليك ، إلا منعه لك من الجلوس