""""""صفحة رقم 4""""""
والخصومات ، وكتب السخفاء وحمية الجاهلية ، ومنهم من يفرط في العلم أيام خموله وترك ذكره وحداثة سنه ، ولولا جياد الكتب وحسانها لما تحركت همم هؤلاء لطلب العلم ، ونازعت إلى حب الكتب وألفت من حال الجهل وإن يكونوا في غمار الوحش ، ولدخل عليهم من الضرر والمشقة وسوء الحال ما عسى أن يكون لا يمكن الإخبار عن مقداره إلا بالكلام الكثير . وسمعت محمد بن الجهم يقول: إذا غشيني النعاس في غير وقت النوم تناولت كتابًا فأجد اهتزازي للفوائد الأريحية التي تعتريني من سرور الإستنباه وعز التبين ، أشد إيقاظًا من نهيق الحمار ، وهدة الهدم ، فإني إذا استحسنت كتابًا واستجدته ورجوت فائدته ، لم أوثر عليه عوضًا ، ولم أبغ به بدلًا ، فلا أزال أنظر فيه ساعة بعد ساعة ، كم بقي من ورقة مخافة استنفاده ، وانقطاع المادة من قبله . وقال ابن داحة: كان عبد الله بن عبد العزيز بن عبد الله بن عمر بن الخطاب لا يجالس الناس فنزل مقبرة من المقابر وكان لا يزال في يده كتاب يقرؤه ، فسئل عن ذلك فقال: لم أر أوعظ من قبر ولا آنس من كتاب ، ولا أسلم من الوحدة . وأهدى بعض الكتاب إلى صديق له دفترًا وكتب معه: هديتي هذه ، أعزك الله ، تزكو على الإنفاق ، وتربو على الكد ، لا تفسدها العواري ، ولا تخلقها كثرة التقليب ، وهي إنس في الليل والنهار والسفر والحضر تصلح للدنيا والآخرة تؤنس في الخلوة وتمنع من الوحدة ، مسامر مساعد ، ومحدث مطواع ، ونديم صدق . وقال بعض الحكماء: الكتب بساتين العلماء ، وقال آخر: ذهبت المكارم إلا من الكتب . قال الجاحظ: وأنا أحفظ وأقول: الكتاب نعم الذخر والعقدة ، والجليس والعمدة ، ونعم النشرة ونعم النزهة ، ونعم المشتغل والحرفة ، ونعم الأنيس ساعة الوحدة ، ونعم المعرفة ببلاد الغربة ، ونعم القرين والدخيل والزميل ، ونعم الوزير والنزيل . والكتاب وعاء ملئ علمًا ، وظرف حشي ظرفًا ، وإناء شحن مزاحًا ، إن شئت كان أعيا من باقل ، وإن شئت كان أبلغ من سحبان وائل ، وإن شئت سرتك نوادره ، وشجتك مواعظه ، ومن لك بواعظ مله ، وبناسك فاتك ، وناطق أخرس ؛ ومن لك بطبيب أعرابي ، ورومي هندي ، وفارسي يوناني ، ونديم مولد ، ونجيب ممتع ؛ ومن لك بشيء يجمع الأول والآخر ، والناقص والوافر ،