""""""صفحة رقم 3""""""
والأضداد لم أسبق إلى نحلته ، ولم يسألني أحد صنعه ؛ ابتدأته بذكر محاسن الكتابة ، والكتب ، وختمته في ذكر شئ من محاسن الموت ، والله يكلؤه من حاسد إذا حسد .
محاسن الكتابة والكتب
كانت العجم تقيد مآثرها بالبنيان والمدن والحصون ، مثل بناء ازدشير وبناء اصطخر ، وبناء المدائن والسدير ، والمدن والحصون ، ثم أن العرب شاركت العجم في البنيان ، وتفردت بالكتب والأخبار ، والشعر والآثار ؛ فلها من البنيان غمدان ، وكعبة نجران ، وقصر مأرب ، وقصر مارد ، وقصر شعوب ، والأبلق الفرد وغير ذلك من البنيان ، وتصنيف الكتب أشد تقييدًا للمآثر على ممر الأيام والدهور من البنيان ، لأن البناء لا محالة يدرس ، وتعفى رسومه ، والكتاب باق يقع من قرن إلى قرن ، ومن أمة إلى أمة ، فهو أبدًا جديد ، والناظر فيه مستفيد ، وهو أبلغ في تحصيل المآثر من البنيان ، والتصاوير ، وكانت العجم تجعل الكتاب في الصخور ، ونقشًا في الحجارة ، وخلقة مركبة في البنيان ، فربما كان الكتاب هو الناتئ ، وربما كان هو المحفور ، إذا كان ذلك تاريخًا لأمر جسيم ، أو عهدًا لأمر عظيم ، أو موعظة يرتجى نفعها ، أو أحياء شرف يريدون تخليد ذكره ، كما كتبوا على قبة غمدان وعلى باب القيروان ، وعلى باب سمرقند ، وعلى عمود مأرب ، وعلى ركن المقشعر ، وعلى الأبلق الفرد ، وعلى باب الرها ؛ يعمدون إلى المواضع المشهورة والأماكن المذكورة ، فيضعون الخط في أبعد المواضع من الدثور ، وأمنعها من الدروس . وأجدر أن يراه من مر به ، ولا ينسى على وجه الدهور . ولولا الحكم المحفوظة والكتب المدونة ، لبطل أكثر العلم ، ولغلب سلطان النسيان سلطان الذكر ، ولما كان للناس مفزع إلى موضع استذكار ، ولو لم يتم ذلك لحرمنا أكثر النفع ، ولولا ما رسمت لنا الأوائل في كتبها ، وخلدت من عجيب حكمتها ، ودونت من أنواع سيرها ، حتى شاهدنا بها ما غاب عنا ، فتحنا بها كل مستغلق ، فجمعنا إلى قليلنا كثيرهم ، وأدركنا ما لم نكن ندركه إلا بهم ، لقد بخس حظنا منه ، وأهل العلم والنظر وأصحاب الفكر والعبر ، والعلماء بمخارج الملل وأرباب النحل ، وورثة الأنبياء وأعوان الخلفاء ، يكتبون كتب الظرفاء والصلحاء ، وكتب الملاهي ، وكتب أعوان الصلحاء ، وكتب أصحاب المراء