""""""صفحة رقم 2""""""
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ، وصلى الله على رسوله ، سيدنا محمد ، وآله أجمعين .
قال أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ ، رحمه الله:
إني ربما ألفت الكتاب المحكم المتقن في الدين ، والفقه ، والرسائل ، والخطب ، والخراج ، والأحكام ، وسائر فنون الحكمة ، وأنسبه إلى نفسي ، فيتواطأ على الطعن فيه جماعة من أهل العلم بالحسد المركب فيهم ، وهم يعرفون براعته ونصاحته ؛ وأكثر ما يكون هذا منهم إذا كان الكتاب مؤلفًا لملك معه المقدرة على التقديم ، والتأخير ، والحط ، والرفع ، والترهيب ، والترغيب ، فإنهم يهتاجون عند ذلك ، اهتياج الإبل المغتلمة . فإن أمكنتهم الحيلة في إسقاط ذلك الكتاب عند السيد الذي ألف له ، فهو الذي قصدوه وأرادوه ، وإن كان السيد المؤلف فيه الكتاب تحريرًا نقابًا ، ونقريسًا بليغًا ، وحاذقًا فطنًا ، وأعجزتهم الحيلة ، سرقوا معاني ذلك الكتاب ، وألفوا من أعراضه وحواشيه كتابًا وأهدوه إلى ملك آخر ، ومتوا إليه به ، وهم قد ذموه وثلبوه لما رأوه منسوبًا إلي ، وموسومًا بي . وربما ألفت الكتاب الذي هو دونه في معانيه وألفاظه ، فأترجمه باسم غيري ، وأحيله على من تقد مني عصره مثل ابن المقفع والخليل وسلم صاحب بيت الحكمة ، ويحي بن خالد ، والعتابي ، ومن أشبه هؤلاء من مؤلفي الكتب ، فيأتيني أولئك القوم بأعيانهم ، الطاعنون على الكتاب الذي كان أحكم من هذا الكتاب ، لاستنساخ هذا الكتاب وقراءته علي ، ويكتبونه بخطوطهم ، ويصيرونه إمامًا يقتدون به ويتدارسونه بينهم ، ويتأدبون به ، ويستعملون ألفاظه ومعانيه في كتبهم وخطاباتهم ، ويروونه عني لغيرهم من طلاب ذلك الجنس ، فتثبت لهم به رياسة يأتم بهم قوم فيه ، لأنه لم يترجم باسمي ، ولم ينسب إلى تأليفي . وهذا كتاب وسمته بالمحاسن