""""""صفحة رقم 31""""""
ورأسه في حجر أمه ، فقالت لهما: ما شأنكما ، فقالا: بلغنا شدة هذا الرجل فأتيناه ، فانتبه فزعًا من كلامهما ، فنفخهما ، فألقاهما إلى أصبهان ، فقبرهما اليوم بها ، فقال الخليل: قبحك الله ما أكذبك قال: يا بن أخي ما بينا شيئًا إلا وهو دون الراقود . قيل: وقدم بعض العمال من عمل ، فدعا قومًا إلى طعامه ، وجعل يحدثهم بالكذب ، فقال بعضهم: نحن كما قال عز وجل سماعون للكذب أكالون للسحت . قيل: وكان رجال من أهل المدينة من بين فقيه وراوية وشاعر ، يأتون بغداد ، فيرجعون بحظوة وحال حسنة ؛ فاجتمع عدة منهم ، فقالوا لصديق لهم لم يكن عنده شئ من الأدب: لو أتيت العراق فلعلك أن تصيب شيئًا . قال: أنتم أصحاب آداب تلتمسون بها . فقالوا: نحن نحتال لك ، فأخرجوه ، فلما قدم بغداد طلب الاتصال بعلي بن يقطين ، وشكا إليه الحاجة ، فقال: ما عندك من الأدب ؟ فقال: ليس عندي من الأدب شئ غير أني أكذب الكذبة وأخيل إلى من يسمعها أني صادق . وكان ظريفًا مليحًا ، فأعجب به ، وعرض عليه مالًا ، فأبى أن يقبله وقال: ما أريد منك إلا أن تسهل أذني ، وتدني مجلسي . قال: ذاك لك . وكان من أقرب الناس إليه مجلسًا حتى عرف بذلك . وكان المهدي قد غضب على رجل من القواد ، واستصفى ماله ، وكان يختلف إلى علي بن يقطين ، رجاء أن يكلم له المهدي ، وكان يرى قرب المديني ، ومكانه من علي ، فأتى المديني عشيًا فقال: ما البشرى ؟ قال: لك البشرى وحكمك ، قال: أرسلني علي بن يقطين إليك وهو يقرئك السلام ويقول: قد كلمت أمير المؤمنين في أمرك ، ورضي عنك ، وأمر برد مالك وضياعك ويأمرك بالغدو إليه لتغدو معه إلى أمير المؤمنين متشكرًا . فدعا له الرجل بألف دينار وكسوة وحملان ، وغدا على علي مع جماعة من وجوه العسكر متشكرًا ، فقال له علي: وما ذاك ؟ قال: أخبرني أبو فلان - وهو إلى جنبه - كلامك أمير المؤمنين في أمري ورضاه عني ، فالتفت إلى المديني وقال: ما هذا ؟ فقال: أصلحك الله ، هذا بعض ذلك المتاع نشرناه ، فضحك علي وقال: علي بدابتي ، وركب إلى المهدي ، وحدثه الحديث ، فضحك المهدي وقال: إنا قد رضينا عن الرجل ورددنا عليه ماله ، وأجرى على المديني رزقًا واسعًا ، واستوصى به خيرًا ، ثم وصله ، وكان يعرف بكذاب أمير المؤمنين .