قد لا تؤثر في الناس وأنت تحاورهم بارتفاع مستوى العلم والفكر الذي تقدمه بقدر ما يؤثر فيهم أسلوبك وطريقة عرضك ، وكذلك أخلاق وآداب الحوار التي تتحلى بها ، فقليل من الناس أؤلئك الذين يتحلون بالآداب الشرعية ، وهم القدوة العملية التي تؤثر في الناس أبلغ تأثير .
ولتكن لنا برسول الله صلى الله عليه وسلم _في ذلك _ أسوة حسنة ، حيث إنه صلى الله عليه وسلم قد استمع إلى الكفار على الرغم من وضوح البهتان والكذب في حديثهم: استمع إلى الوليد ابن المغيرة ، وهو يعرض عليه عروض قريش التي يبدون فيها بعيدين كل البعد عن واقع الرسالة وحقيقتها ، ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يستمع حتى النهاية ، ثم يتلو عليه القرآن فيتأثر الوليد ، وإن لم يؤمن ، وينقل إلى قريش تأثره ذلك في صورة مدح للقرآن: إن له لحلاوة ، وأن عليه لطلاوة ، وإن أعلاه لمثمر ، ...
إننا يجب أن نتعلم كيف نتحدث مع الناس ، يجب أن نعرف: أن الإيجابيات يجب أن تذكر ، والسلبيات يجب أن تطرح في صورة أفكار ، ونترك للشخص فرصة التفكير والتدبر ؛ فإن الناس قد لا يبدون موافقة ، ولكنهم قد يتأثرون وينشغلون بالتفكير في الأمر ، ولندع لهم فرصة للتفكير ، فليس من المهم أن يقولوا: إن فلانًا الداعية هو الذي علمنا ، إنما أن يصلوا في النهاية إلى تبني الفكرة والعمل بها .
ولنبدأ بالأولويات ، بالقضايا المتفق عليها ، التي لا يكثر فيها ولا حولها الجدال ، ولنبدأ مع كل أحد مدركين مفتاح شخصيته ، ومداخل نفسيته ، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يجيب على السؤال الواحد لشخصين مختلفين بجوابين مختلفين: رجل يقول يا رسول الله أوصني ، فيقول له الرسول صلى الله عليه وسلم: لا تغضب ، وآخر يسأله السؤال نفسه ويطلب منه الطلب ذاته ، فيقول له: لا يزال لسانك رطبًا بذكر الله .