إن الإنبهار أعمى أبصار هؤلاء المفتونين فشغلوا بالمظاهر عن الحقائق , فلم يجنوا تقدمًا وإنما أصيبوا بالهزيمة النفسية , والإنفعالات من كل دين وخلق , وأصبح مركب النقص وعدم الثقة بالنفس هو الذي يسيطر عليهم , ورضوا بالتبعية الكاملة للقوة الغالبة .
ولا شك أن هذا الإنبهار خطيرًا جدًا , فهو يضلل الأمة المسلمة أشد تضليل , لأنه يغطي عن الأسباب الحقيقية للعلاج .
والمسلمون الأوائل لما فتحوا العالم , لم يكونوا يملكون من أسباب الحضارة المادية ماكان يملكه الفرس والروم , مع كونهم في أشد الحاجة لتعلم علوم الأخرين .
ولكن هؤلاء المبهورين تنكروا لدينهم وأخلاقهم وقيمهم , وزادوا على ذلك إذ حمّلوا دين الإسلام الخالد مسؤولية ماوصلوا إليه من التخلف والإنحطاط .
الإتجاه الثاني: الرفض والجمود:
إذا كانت الطائفة الأولى قد إنجرفت في تيار الحضارة الجديدة , فإن هذه الطائفة كانت صخرة من الجمود ورفض كل ماعند الغرب , والإبقاء على ألأوضاع المتردية التي وصل إليها حال المسلمين , والمحافظة على أساليب القرن التاسع عشر , وتقاليده ومناهجه بكل مايحتوي عليه من أجزاء صالحة وغير صالحه .
ولعل الذين بدأوا هذا التجاوب الجمودي في أول الأمر , كانوا معذورين إلى حد كبير , لأن قصارى ماكان في مقدورهم عندما صدمهم سيل الحضارة الجديدة أن يحافظوا على أكثر مايمكن المحافظة عليه من التراث القديم .
ولكن هذا الجمود أدى إلى أضرار عديدة منها:
أن الجهود التي بذلت للمحافظة على الأوضاع القديمة احتفظت مع الدين بما يضيف إليه جهلًا من نقائض وتصورات في العصور المتأخرة , وأصبحت تلك المفاهيم الخاطئة عقبةً كؤود في سبيل النهضة الإسلامية من جديد .