وأضعُ بين يديك مسألة هامة، تلك هي عدم التسرع مع الأفراد في الأحاديث المستفيضة قبل أن يأنسوا لك ويحبوك ويثقوا فيك، ولا يكون ذلك إلا بالصبر الجميل والأناةِ وحسن الدخول إلى القلوب بالابتسامة الحلوة والنظرة المخلصة والسؤال عن الغائب وزيارة المريض وغير ذلك.
فبعض الشباب يتسرع وقد يصدم في أول الطريق حين لا يُوَفَّقُ. وربما دعاه ذلك إلى أن ينطوي. إن الدعوة إلى الله والصبر عليها جهاد. الوسيلة الناجحة في الدعوة أن تدخل إلى القلب برفق، تتقدم نحوه خطوةً ثم خطوة أخرى ولو طال الزمن فالمهم هو الوصول في النهاية إلى الهدف، فاذا وصلنا إلى هذا القلب استجاب العقلُ وصحَّ الفكر واستقامَ الطريق، أما إذا كنت قد بلغت درجة الوصول إلى القلب في الجلسة الأولى وأن تصهر محدثكَ بدعوتك فلا تقصر.
الأسلوب الأول يحتاج إلى وقت وصبر ومعاناة لكنه مأمونٌ ولا سيما إذا كان دعاة الباطل ينازعونك على المدعو لكن النهاية سوف تكون لصاحب الحق ثم لصاحب القلب ما كانَ في المدعوِّ خير وصَدَقَ منْ قال (بين الهزيمة والنصر صبر ساعة) وأبشرك أنك سوف تجدُ من القلوب من يستجيب، وسوف تجد أن الذين يقتنعون كثيرين وتلك عاجل بشرى المؤمن، والمهم في النهاية أن تكون في حالة حركة دعوية مستمرة، والمتحركُ في كل خطوةٍ بركةٌ وعمل ونماء.
والإنسان الذي يعيش بلا حركة دعوية هو حيّ كميت، موجود كمفقود لا أثرَ له، هو في الواقع لا يُعطي ولا يثمر، كشجر السرو له طول وليس لهُ ثمرٌ، وليس هذا هو الوضع الأصيل للمسلم، فلا إله إلا الله في قلب المؤمن لها ثَمَرُها"تؤتي أكلها كل حينٍ بإذن ربها"فالمسلم في ذاته مثمر منتجٌ حين يستقيم مع الحق فهو كذلك في أسلوبه وفي أخلاقه وفي معاملاته وفي إشراقة وجهه وفي ابتسامته وفي لطف معاملاته مع إخوانه وفي الحرص على الوفاء بوعده وعهده وفي حسن تعامله .. وهذا وحده حياة وسعادة ودعوة.
أي أخي:
هناك ما يُبكيني ويُحزنني .. فهناك جفافٌ في قلوب بعض الإخوة وهم لا يشعرون لأنهم لم يسبق أن عاشوا في رحاب الوجد، فهم يتصرفون بلا إدراكٍ للحقائق النفسية العميقة، ومع حزني عليهم فإنني أتحملهم لأننا تعلمنا أن نعفوَ ونصفح بل أن نخفض جناح الذل من الرحمة لكل إخواننا.
أي أخي:
كثيرًا ما أجد نفسي وكأن ريحًا عاتية تهب على قلبي فتحدث قلقًا فماذا أفعل؟
عندما أجد مثل هذه الحالة أذهب إلى أخٍ صالح مؤتمنٍ أجلسُ معه أفضى له بكل ما في نفسي من عذابٍ وآلامٍ ومشاعرَ وعواطف مما يجوز لي شرعًا أن أقوله، وكثيرًا ما أعود وكأن شيئًا لم يكنْ، مَنْ لنا غير هذه القلوب الحانية التي تغمرنا بالحب والحنان؟ لقد طلقنا النوادي والمقاهي ومجالات العبث واللهو، وارتضينا الكينونةَ مع القلوب والأرواح والعواطف