وشاء الله تعالى ولا رادَّ لمشيئته أن أعود إلى رشيد بلدي الحبيب، أعود مرَّة أخرى بعد هذا الغياب الطويل المرير أعود، ولكني أجدُ أمامي صورة أخرى .. مشاهد فريدة وعواطف أكيدة صورة رائعة فيها العزاء كل العزاء، وفيها الوفاء كل الوفاء، عيونٌ صادقة النظراتِ وأحاديث صادقة النرات، وفهمٌُ للإسلام جديد، ووعي واهتمام وحماس.
كانت تلك هي المشاعر التي أحسستها، وهذه الوجوه الكريمة التي استقبلتها شيء آخر غير الذي كان عام 1956 - فرقٌ كبير بين المشهدين - مشاهد حية نابضة بالإيمان آنستُ فيها راحةً وسعادة فما سر هذا المشهد الجديد وهذا التغيير وما دلالاته وماذا سيكون من بعده؟؟
أمّا سر المشهد الجديد .. فلا يعود إلى فضل إنسان من الناس ولا لفضل جماعة ترى لنفسها الفضل في ذلك .. إنما يعود الفضل أولًا وأخيرًا إلى طبيعة هذا الدين (هذا الإسلام) إلى سنَّة الله تعالى التي تجري على البلاد والعباد"ولن تجد لسنة الله بتديلا"إلى تجرد أشخاص وفنائهم في دعوتهم وصبرهم على الايذاء وصمودهم أمام الأعداء، وكان هذا الخير الذي شاع وهذا النور الذي انبثق وذاع أثرًا عن هذا كله، وصدق الله"لتلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا اذى كثيرا وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور".
ليس في جهاد الإخوان المسلمون منّةُ على أحد ولا عندهم رغبة في مغنم أو مظهر كما أنهم لا يمنون بتضحياتهم على الناس ذلك لأنهم يوقنون بأن عليهم بأن عليهم أن يقدموا الدمَ والمال في سبيل الله"إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة"."يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا عليّ إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين".
أخي في الله:
إنّ الإرتفاع إلى قمة المعاني الإسلامية والمثل والقيم السامية هو رصيد الإسلام على مدار التاريخ، فنحن لا نذكر من عظمة المسلمين ما اندثر من آثار الحضارة في العمران بقدر ما نفتخر ونعتز بما خلَّفَهُ لنا المسلمون العظماء من مفاخر القدوة، لقد كان أعظم منجزات هذا الدين تكوين شخصية المسلم ...
أي أخي:
لقد عشنا أيامًا وسنين استيأس عامةُ الناس من أن يجدوا للمثل الإسلامية سوقًا، بل لقد كان من الصعب أن يتصور الناس أنه من الممكن أن تتحقق المثل الإسلامية العظيمة وكأنها كانت وقفًا على الجيل الفريد جيل أصحاب رسول الله T، وحين سار هذا الشعور بين الشباب واستيأسوا من الإصلاح استمرأوا حياة الفجور والمجون وأغلقوا آذانهم عن كل صيحة وولوا وجوههم وأصروا واستكبروا استكبارًا .. فكان لا بد إزاء هذا الخطر الزاحف على عقيدة المسلم وبلاد