فهرس الكتاب

الصفحة 30 من 110

إنما المكاشفة التي أريدها هي مكاشفة الآلام والآمال التي تترقبها الدعوة الإسلامية.

أخي:

لقد سبق لي أن عدت من محنة الإخوان المسلمون عام 1954 إلى بلدي رشيد بعد أن قضيت في السجن عامين، عدت لأجد الناس في وجوم، في خوف شديد وحذرٍ أشد. إنَّ الذين استقبلوني ورحبوا بي في هذه المحنة الشديدة عدد قليل وهذا القليل رَحَّبَ بي على استحياء بل لقد كنت أسمع من بعض الناسِ غمزًا ولمزًا واستهزاء، وكانت الأيام تمضي في حزن وكآبة، إذ القلوب مظلمة والأرواح كئيبة ولم يكن خوفي على نفسي بأشدَّ من خوفي على مَنْ حولي ولم يكن حزني على ظروفي بأقسى من حزني على ضعف الناس وجبنهم، لقد عدت من هذه المحنة على ثقة من عقيدتي وعلى يقين من الله الذي أومنُ به. فلم أشأ أن أخلد إلى الأرض أو أتشبث بها، لم أتراجع قيد أنملة عن إيماني وعقيدتي التي كانت (الغذاء والعزاء) ، ورفضت من أعماقي أن أستكين، أو ألين، فلم أنْزَوِ أو أنطَوِ ولم أعرف التراخي أو التناسي بل أججَّتني الأحداث وجددتُ البيعة مع الله على الجهاد ما حييت أبدًا .. الجهاد في سبيل الإسلام العظيم.

كنت مشوقًا إلى قلوب تتعاطف معي ودموع تنهمر مع دموعي، وأنفاسٍ تحترق مع أنفاسي كنت أتطلع في حرص وشوق إلى عقلٍ .. إلى قلبٍ .. إلى روح تفهمني عن قرب. عن فهم عميق لروح هذه الدعوة، ومنهاجها وأهدافها. كنت أحترق في بطء حين أراني وحيدأ في هذا الميدان أتطلع إلى هذا الأمل وأتحسس طريقي إليه في هدوء وصبر وحكمة، كنت أنظر إلى هذا الشباب التائه في صحراء الوجود السائح في الشكوك والظنون نظرة الحب والإشفاق والحنين، أريد أن أتحدث إليهم بكل خواطري وكل إحساساتي، كان تقربي منهم يزيدهم إمعانًا في البعد عني خوفًا على أنفسهم من عاقبة أمري.

وفي هذا الجو الخائف، والمناخ الخانق فتحتُ طريقي في صبر وحزن وألم، ولكنَّه الألمُ العبقري الذي يفجر ينابيع الطاقة ويحطم أسوار اليأس يفك قيود الحرية ويوسِّعُ حدود العمل والأمل، وكان ما كان مما عرفتموه عن محنة 1965، وجدَّدتِ الدعوةُ الإسلامية شبابها وانطلقت من عقالها وتمردت على أعدائها فقهرت بإيمانها صرح الظلم"الذين قال لهمُ الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانًا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيمٍ".

وانتصر بفضل الله الإيمان الأعزل على القوة الغاشمة، لأن الإيمان هو أعظم القوى في الوجود.

وقضى الله تعالى أن أقضي في السجن تسع سنوات في رحاب الله، وكانت وستبقى حافزًا وداعيًا إلى العمل الجاد المتواصل في سبيل الله، ولست هنا بصدد الحديث عن أحداث هذه المحنة ولست في سعة من الوقت كي أسجل تاريخًا حافلًا بالأمجاد والبطولات، لا أقول الفردية أو الشخصية ولكن أقول (الإسلامية) وسيأتي ذلك اليوم الذي تخشع فيه القلوب لعظمة هذه الرسالة التي أشرق بنورها هذا الجيل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت