وبناء المساجد في هذه الحالة فرع من الأصل أي من وجوب العبادة، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب · وقد بنى النبي صلى الله عليه وسلم مسجد قباء بعد وصوله المدينة وطلب من بني النجار أن يبيعوه حائطهم لبناء المسجد النبوي فدل ذلك على وجوب بناء المساجد على الأمة · وقد قَصَّلَ الفقهاء أحكامًا كثيرة في المساجد فحرموا بيعها بالإجماع (3) · وأجازوا بيع العقار الموقوف لتوسعة المسجد إذا ضاق كما أجازوا أخذ العقار جبرًا لمصلحة المسجد وبالقيمة (4) ·
البناء لحفظ الأموال:
المحافظة على المال من الضرورات الشرعية الخمس التي في الحفاظ عليها قوام المصالح، لما فيه من قوة وعون للأمة في حياتها مما يعتبر صونه وحمايته واجبًا على صاحبه، وعلى الأمة كلها · ومن أهم الحفاظ على المال وضعه في مكان آمن -أي ما يسميه الفقهاء بالحرز- وذلك لمنع التعدي عليه بالسرقة أو الغصب أو الإتلاف أو نحو ذلك مما يعرضه للخطر·
وقد اتفق الفقهاء على أن من شروط الحد في السرقة كون المال المسروق في حرز وقد عَرَّفه الإمام محمد بن رشد بأنه ·· ما من شأنه أن تحفظ به الأموال كي يعسر أخذها مثل الإغلاق والحظائر وما أشبه ذلك (1) · والحجة في ذلك حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا قطع في ثمر معلق ولا في حريسة جبل فإذا أواه المراح أو الجرين فالقطع فيما بلغ ثمن المجن) (2) · وقد خالف في ذلك أهل الظاهر فرأوا القطع مع استبعاد شرط الحرز (3) ، فدل اشتراط الحرز لوجوب الحد أهمية البناء لحفظ المال في الحوانيت والمتاجر ونحوها ومن لم يفعل ذلك فقد أهمل وفرط ·
البناء لحبس المحكومين بالسجن:
الحبس أمر شرعي لمن يستحقه، فمن خرج على أوامر الله ورسوله أو سعى في الأرض بالفساد حق عليه العقاب وقد يكون من أنواع العقاب في الدنيا الحبس لقصد الزجر والردع · وقد أمر الله بذلك في قوله تعالى في عقاب المحاربين: أو يُنفوا من الأرض ·· (4) · والمقصود به الحبس وقد حبس رسول الله صلى الله عليه وسلم وحبس الخلفاء من بعده، وقد أمر علي رضي الله عنه بأن يكون بناء الحبس محكمًا حتى لا يفر