الصفحة 30 من 42

تعثوا في الأرض مفسدين (1) · ومثل ذلك الخيانة لما فيها من ضعف النفس، واتباع هواها وما يؤدي إليه ذلك من فساد المعاملة واختلاف المتعاملين وتقاتلهم · وهكذا في كل أمر نهى الله عنه رحمة بعباده وصلاحًا لعلاقاتهم وأحوالهم ·

وينبني على ما سبق أن كل اتفاق على أمر يخالف أمر الله، وأمر رسوله يعد غير مشروع، ولا ينتج آثاره فإذا اشترط المهندس أو البنَّاء شرطًا يجيز إعفاءهما أو أي منهما من المسئولية عن أي إهمال أو تقصير ينتج عن عملهما فهذا الشرط باطل ولا أثر لموافقة صاحب المبنى عليه ذلك أن هذا الشرط يفضي إلى تعريض النفس للخطر لأن البناء سكن لها ومستقر ويفترض حكمًا أن يكون هذا المقر آمنًا للنفس، فإذا كان على خلاف ذلك صار بمثابة الإعتداء عليها · وهكذا في حال الغش والخيانة وما يؤديان إليه من الفساد في الأرض ·

الحالة الثانية: الاعفاء من المسئولية في أمر يتعلق بحق الغير ·

المسئول عن المبنى إما أن يكون مالكًا له، أو وكيلًا، أو ناظرًا عليه، فإن كان مالكًا له وجب عليه أن يحسن صنع بناءه، ويترتب عليه هذا الوجوب في حق نفسه كما مر ذكره· كما يترتب عليه في حق غيره ذلك أن أولاده وزوجه وأهله شركاء معه في مسكنه فترتب عليه مسئولية نحوهم امتثالًا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته) (2) · وأبسط أسس هذه المسئولية ألا يقبل شرطًا يعرض المبنى للخطر ويعرضهم بالتالي للضرر ·

ويشمل الغير كل من ينتفع بالمبنى سواء كان الانتفاع بطريق الهبة أو البيع ففي كلتا الحالتين لا يجوز لصاحبه أن يهب أو يبيع ما يضر بالغير، أو ما فيه احتمال الضرر له سواء كان هذا الضرر مباشرًا أو غير مباشر حالًا أو آجلًا · ويعتبر كذلك في حكم الغير جيران المبنى، والمارة، وكل من يحتمل أن يصيبه ضرر من جراء الإهمال أو التقصير في بنائه ·

وإن كان المسئول عن المبنى وكيلًا وجب عليه أن يتقن ويحسن بناءه، وليس من ذلك إعفاء المهندس أو البنَّاء من مسئوليتهما أو تخفيفها ذلك أن الموكل يفترض في وكيله الإنابة عنه في جلب المنفعة فيما وَكَّلَه فيه ودفع الضرر عنه، ذلك أن الوكالة أمانة والأمانة تقتضي وجوب تحقق السلامة في محل الوكالة ففي الوكالة بالشراء -مثلًا- يجب أن تكون السلعة سليمة من العيوب لأن إطلاق الوكالة بالشراء يقتضي سلامة السلعة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت