المسئولية:
قد يجد صاحب المبنى أن ثمة أسباب تقتضي منه الاتفاق على تخفيف مسئولية المهندس والبنَّاء أو الإعفاء منها بالكلية، ويعني ذلك تنازله عن أي ضرر جسماني أو مادي عن فعل أو خطأ أي منهما في عملية رسم المبنى أو تنفيذه · وقد يكون الاتفاق على الإعفاء من المسئولية مختارًا منه أو بناء على شرط من المهندس والبنَّاء فهل هذا الاتفاق يعتبر جائزًا؟
والجواب أن لهذا الاتفاق حالات ثلاث تتعلق بإرادة الشارع، وبحق الغير، وبحق صاحب المبنى ·
الحالة الأولى: الإعفاء من المسئولية في أمر يتعلق بإرادة الشارع· هناك أحوال بين الشارع الأمر والنهي فيها فلا يجوز الاتفاق بأي حال على ما يخالفها لأن الله لم يأمر بأمر أو ينهى عن نهي إلا وفيه مصلحة لعباده، ومما وجب عليهم أن يأتمروا بما أمر به، وينتهوا عما نهى عنه فيما بَيَّنه لهم في كتابه أو جاء به رسوله امتثالًا لقوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله (1) · وقوله تعالى: وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا (2) · والأمثلة عما بينه الله من الأوامر والنواهي هي أكثر من أن تحصر، فمن ذلك نهيه عز وجل عن تعريض النفس للخطر يستوي في ذلك كون الخطر من الإنسان على نفسه، أو من غيره عليه· وفي ذلك قال تعالى: ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة (3) · وقال تعالى: ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيمًا (4) · ومن يفعل ذلك عدوانًا وظلمًا فسوف نصليه نارًا وكان ذلك على الله يسيرًا (5) · وبدلالة هذه الآية تيمم عمرو بن العاص من الجنابة رغم وجود الماء وصلى بأصحابه ولما قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا عمرو صليت بأصحابك وأنت جنب ··) قال عمرو: يا رسول الله إني احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد فأشفقت أن اغتسلت أن أهلك فلم ينكر عليه ذلك رسول الله (6) · وفي عهده عليه الصلاة والسلام أمر أحد الأمراء جنوده بأمر فلم يمتثلوا له فجمع حطبًا وأشعل نارًا وقال لهم: إن الرسول أمركم أن تسمعوا لي وإني آمركم أن تدخلوا هذه النار فهم لعضهم أن يدخلها فلما بلغ ذلك رسول الله قال: (لو دخلوها ما خرجوا منها) (7) ·
ومما نهى الله عنه الغش لما يؤدي إليه من خلل في العلائق وفساد في الأرض ولما فيه من أكل المال بالباطل فقد حرمه الله تعالى بقوله: ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا