وَزِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنيا مَذْمُومَةٌ، ولذلك يقول سبحانه: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ} [1] ، وفاعلُ التَّزْيِيِنِ في قَولِهِ تعالى: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ} مَحذُوفٌ وهُوَ الشَّيطَان، وما زيَّن لَهُمْ تِلكَ الشَّهَواتِ إلاَّ ليغْتَرُّوا بِهَا ويُسْتدَرَجُوا بِزِينَتِهَا؛ وتأمَّلْ آخِرَ الآيةِ: {وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ} وقوله سبحانه بعد ذلك: {قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَاد} [2] .
فالاستدلالُ بِمَا وَرَدَ مِنْ شَأنِ الزِّينَةِ عَلى جوازِ حَبْسِ الطُّيورِ استدلالٌ باطِلٌ لأنَّ الضَّابِطَ لذلك عَدَمُ الإضرارِ بالغَيْرِ، وليس عدمُ الإضرارِ فَقَط مَحْصُورٌ في مَنْعِ الأكل والشرب، بل نفْس الحبس إضرار؛ وقد تبيَّن.
ومن العجَب أن يأتي مَن يسوِّغ حبس الطيور في الأقفاص بقصد الزينة مُستدلًا بِمَا رواه مكحول عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: كان نفر من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينتظرونه على الباب، فخرج يريدهم وفي الدار رَكْوَةٌ فيها مَاء فَجَعَلَ ينظُرُ في الْمَاءِ وَيُسَوِّي شَعْرَه وَلِحْيتَهُ فقلتُ: يا رسول الله وأنت تفعل هذا؟!، قال: (إذَا خَرَجَ أحَدُكُمْ إِلَى إِخْوَانِهِ فَلْيُهَيِّءْ مِنْ نَفْسِهِ فَإِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ) انتهى [3] ، فأيُّ مَضَرَّة في هذا؟!، وهل فيه مَا يُجِيزُ حَبسَ الطيور للزينة وقد تبيَّن أنَّهُ مُضِرٌّ بِهَا وظُلْمٌ لَهَا؟!.
كذلك يَستدلُّ الْمُجِيزُون لِحَبْسِ الطيور بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - لأخِ أنس بن مالك - رضي الله عنه: (يَا أبَا عُمَيْرٍ مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ؟!) [4] ، وهذا ليس فيه ما يُسَوِّغ حَبْسَ هَذِهِ الْمَخْلوُقَاتِ.
والحديثُ وَرَدَ لِبَيَانِ كَمَالِ حُسْنِ خُلُقِهِ - صلى الله عليه وسلم -، وَيُوَضِّحُه قَوْلُ أنَسٍ - رضي الله عنه: (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أحْسَنَ النَّاسِ خُلُقًا) ، فهو - صلى الله عليه وسلم - يُخَاطِبُ الطِّفْلَ عَلى قَدْرِ فَهْمِهِ، ولأنَّ الصبيانَ تتعلَّق قلُوبُهُم بِلُعَبِهم فَمِنْ هَنا يُلاَطفه - صلى الله عليه وسلم -.
(1) سورة آل عمران، آية: 14.
(2) سورة آل عمران، آية: 15.
(3) أنظر: «تفسير القرطبي» ، (7/ 197) .
(4) وقد جاء ذلك في حديثٍ أخرجه البخاري في «صحيحه» برقم (5778) واللفظ له، ومسلم برقم (2150) عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - أنه قال: (كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحسن الناس خُلُقًا، وكان لي أخ يقال له أبو عمير، قال: أحسبه فطيم، وكان إذا جاء قال - صلى الله عليه وسلم:"يا أبا عمير ما فعل النغير؟!"نُغَر كان يلعب به، فربما حضر الصلاة وهو في بيتنا فيأمر بالبساط الذي تحته فيكنس وينضح ثم يقوم ونقوم خلفه فيصلي بنا) .