الصفحة 10 من 13

وليسَ في ذلك إضرارٌ بالنغير لاسيِّما وأنه لَمْ يُحبس في قَفَصٍ، وَمِثْلُ هذا الأمرِ جَارٍ في زَمَانِنَا وقبْلِهِ، فكوْنُ صَبِيٍّ مَعَهُ طائر يَلهو به ويلعب قليلًا بيده أو حتى في قفصٍ سَاعةً أو بعض يوم ثم يُذبح ليؤكل أوْ يُطْلَق أو حتى يَمُوت مِنْ غيرِ حَبْسٍ أو مَنْعِ أكلٍ أو شُرْبٍ، فهذا غير داخلٍ في مَوضُوعِنَا.

وليسَ في ذلك ما يفتح الأبوابَ للناسِ حتى يكون ذلك تجارةً في كلِّ بَلَدٍ، وَمِنْ أجْلِ ذلك تُسْتَوْرَدُ الطيورُ مِنْ بُلدانِ بعيدةٍ قد لاَ يُناسِبُهَا جَوُّ البلاد التي جُلِبَتْ إليها فيزيدُها ذلك أَلَمًا.

أمَّا أنْ يُهَوِّن بعضُ الناس حبسَ هذه المخلوقاتِ بِشُروطٍ وهي: (ألاَّ يُرَادُ بذلك الْخُيَلاَء والتَّفَاخُر، وألاَّ يُلهي التمتُّع بِهَا عَنْ واجِبٍ، وألاَّ تُهْمَل رِعَايَتُهَا في الغِذَاءِ والشَّرَابِ) فإنه يُقال: مِن السَّهل أنْ يقول الإنسان:"كُل هذا لن يكون"، فَعَلَى تَقْدِيرِ ذلك وهو مُحَالٌ، فيقالُ: قَدْ تَبيَّنَ أنَّ مُجَرَّدَ حَبْسها يضرها، وَلِمَاذا يُغْفَلُ عن الأصْلِ ويصير الكلامُ في الفرُوعِ؟!.

لقد خلق الله لِهَذِهِ الطُّيوُرِ ذَواتِ الأجْنِحَةِ فَضَاءً وَاسِعًا فَحَرَمْتها إِيَّاهَ بِحَبْسِكَ لَهَا في أقْفَاص!.

وكيف لا تُرحَمُ هذه الطيورُ الضَّعِيفَةُ التي أعطاها الله أجنحةً وَفَضَاءً وَاسِعًا هو مَجَالُ طَيَرَانِهَا مَع أنَّ الإنسانَ لو حُبَس قليلًا في غُرفَةٍ واسِعَةٍ مُغْلق عليه بابُهَا لَتَضَجَّرَ!، فَمَا بَالُ هذا الطائر الأسير الضعيف عديم الْحَوْلِ والقُوَّة يُحْبَسُ؟!، هلْ لِأَنَّه لا يُخَاصِمُ عَنْ نفْسِه وَلاَ يَمْتَنِع بِقُوَّتِهِ؟!، أمْ لِأَننا لاَ نَفْقَهُ لُغَتَهُ فَنَسْمَع أنِينَه وحنينَه وَشكواه؟!، وَكم مِنْ طائِرٍ مَحْبوسٍ هُوَ خَيْرٌ مِنْ حَابِسِهِ وأكْثَرُ ذِكْرٍ لِلَّهِ مِنْهُ!.

وتأمَّلْ قولَ الله تَعالى: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ} [1] ، قال قتادة ~ على هذه الآية: (الطَّيْرُ أُمَّةٌ، وَالإِنْسُ أُمَّةٌ، وَالْجِنُّ أُمَّةٌ) [2] ، وقالَ ابنُ عَباس {في قوله سبحانه: إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ} : (يُرِيدُ: يَعْرِفُونَنِي، وَيُوَحِّدُونَنِي، وَيُسَبِّحُونَنِي، وَيَحْمَدُونَنِي) انتهى [3] ؛ وقال الرَّازِي ~ بعد أنْ أوْرد قول ابن عباس: (وَإِلَى هَذَا القَوْلِ ذَهَبَ طَائِفَةٌ عَظِيمَةٌ مِنْ الْمُفَسِّرِينَ وَقالوُا:"إِنَّ هَذِهِ الْحَيَوَانَاتِ تَعْرِفُ اللَّهَ، وَتَحْمَدُهُ، وَتُوَحِّدُهُ، وَتُسَبِّحِهُ"، وَاحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ

(1) سورة الأنعام، آية: 38.

(2) «تفسير ابن جرير الطبري» ، (7/ 187 - 188) .

(3) أنظر: «التفسير الكبير» للرازي، (12/ 176) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت