إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا [1] ، وَبِقَوْلِهِ فِي صِفَةِ الْحَيَوَانَاتِ: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ} [2] ، وَبِمَا أنَّهُ تَعَالَى ذَكَرَ خِطَابَ النَّمْلَ وَخِطَابَ الْهُدْهُدَ؛ وَقَدْ اسْتَقْصَيْنَا فِي تَقْرِيرِ هَذَا القَوْلِ وَتَحْقِيقِهِ فِي هَذِهِ الآيَات) انتهى [3] .
ولذلك ذَكَرَ الله عن سُلَيْمَانَ # أنه قَالَ: {عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ} [4] ، فَقَدْ عَلَّمَ الله نَبِيَّهُ سُلَيْمَانَ مَنْطِقَهَا، فَهُوَ يَتكلَّم مَعَهَا بحيثُ تَفْقَهُ كَلاَمَهُ وَيفْقَهُ كلامهَا، وهَذَا الْهُدْهُدُ قَصَّ الله عَلَيْنَا قِصَّتَهُ مَع نَبِيِّهِ سُلَيْمَانَ # في كتابه العزيز مِمَّا يُبَيِّنُ مَعَانِي الآياتِ السَّابِقَةِ وَمعرِفَةَ هَذه الْمَخلوُقَاتِ لِخَالِقِهَا وتوْحِيدَهَا إِيَّاهُ - عز وجل - وَتَعْظِيمَهَا لَه سُبْحَانَه.
وَقَدْ قالَ ابنُ القَيِّمِ ~ في قِصَّةِ «الْهُدْهُدِ» : (وَهَذَا الْهُدْهُدُ مِنْ أهْدَى الْحَيَوَانِ وَأبْصَرِهِ بِمَوَاضِعَ الْمَاءِ تَحْتَ الأرْضِ لاَ يَرَاهُ غَيْرَهُ؛ وَمِنْ هِدَايَتِهِ مَا حَكَاهُ اللَّهُ عَنْهُ فِي كِتَابِهِ أنْ قَالَ لِنَبِيِّ اللَّهِ سُلَيْمَانَ وَقَدْ فَقَدَهُ وَتَوَعَّدَهُ فَلَمَّا جَاءَهُ بِدَرَهُ بِالعُذْرِ قَبْلَ أنْ يُنْذِرهُ سُلَيْمَانُ بِالعُقُوبِةِ، وَخَاطَبَهُ خِطَابًا هَيَّجَهُ بِهِ عَلَى الإِصْغَاءِ إِلَيْهِ وَالقَبُولِ مِنْهُ فَقَالَ: {أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ} [5] ، وَفِي ضِمْنِ هَذَا أنِّي أَتَيْتُكَ بِأَمْرٍ قَدْ عَرَفْتُهُ حَقَّ الْمَعْرِفَةِ بِحَيْثُ أَحَطْتُّ بِهِ، وَهُوَ خَبْرٌ عَظِيمٌ لَهُ شَانٌ فَلِذَلِكَ قَالَ: {وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَأٍ بِنَبَأٍ يَقِينٍ} [6] ، والنَّبَأُ هُوَ الْخَبْرُ الَّذِي لَهُ شَأنٌ وَالنُّفُوسُ مُتَطَلِّعَةٌ إِلَى مَعْرِفَتِهِ، ثُمَّ وَصَفَهُ بِأنَّهُ نَبَأٌ يَقِينٌ لاَ شَكَّ فِيهِ وَلاَ رَيْبَ؛ فَهَذِهِ مُقَدِّمَةٌ بَيْنَ يَدَيْ إِخْبَارِهِ لِنَبِيِّ اللَّهِ بِذَلِكَ النَّبَأ اسْتَفْرَغَتْ قَلْبَ الْمُخْبَرِ لِتَلَقِّي الْخَبَرِ، وَأوْجَبَتْ لَهُ التَّشَوُّفُ التَّامُّ إِلَى سَمَاعِهِ وَمَعْرِفَتِهِ؛ وَهَذَا نَوْعٌ مِنْ بَرَاعَةِ الاسْتِهْلاَلِ وَخِطَابِ التَّهْيِيِجِ، ثُمَّ كَشَفَ عَنْ حَقِيقَةِ الْخَبَرِ كَشْفًا مُؤَكَّدًا بِأدِلَّةِ التَّأكِيدِ فَقَالَ: {إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ} [7] ، ثُمَّ أَخْبَرَ عَنْ شَأنِ تِلْكَ الْمَلِكَةِ وَأنَّهَا مِنْ أَجَلِّ الْمُلُوكِ بِحَيْثُ أُوُتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يَصْلُحُ أَنْ تُؤْتَاهُ الْمُلوُكُ، ثُمَّ زَادَ فِي تَعْظِيمِ شَانِهَا بِذِكْرِ عَرْشِهَا الَّذِي تَجْلِسُ عَلَيْهِ وَأنَّهُ عَرْشٌ عَظِيمٌ، ثُمَّ أَخْبَرَهُ بِمَا يَدْعُوهُ إِلَى قَصْدِهِمْ وَغَزْوِهِمْ فِي عَقْرِ دَارِهِمْ بَعْدَ دَعْوَتِهِمْ إِلَى اللَّهِ فَقَالَ: {وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ} [8] وذَكَر ابنُ القَيِّمِ ~ كلامًا ثُم قال:(ثُمَّ أخْبَرَ - أيْ الْهُدْهُدُ - عَنْ الْمُغْوِي لَهُمْ الْحَامِلِ لَهُمْ عَلَى ذَلِكَ، وَهُوَ تَزْيِيِنِ الشَّيْطَانُ لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ حَتَّى صَدَّهُمْ عَنْ السَّبِيلِ الْمُسْتَقِيمِ، وَهُوَ السُّجُودُ لِلَّهِ وَحْدَهُ، ثُمَّ أخْبَرَ أنَّ ذَلِكَ الصَّدَّ حَالَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْهِدَايَةِ وَالسُّجُودِ لِلَّهِ الَّذِي لاَ يَنْبَغِي السُّجُودُ إِلاَّ لَهُ) إلى آخرِ كلامِهِ ~ [9] .
وقال النسفي ~: (وَلاَ يَبعُدُ مِنْ الْهُدْهُدِ التَّهَدِّي إِلَى مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَوَجُوبِ السُّجُودِ لَهُ وَحُرْمَةِ السُّجُودِ لِلشَّمْسِ إِلْهَامًا مِنْ اللَّهِ لَهُ كَمَا أَلْهَمَهُ وَغَيْرَهُ مِنْ الطُّيُورِ وَسَائِرِ الْحَيَوانِ الْمَعَارِفَ اللَّطِيفَةِ الَّتِي لاَ يَكَادُ العُقَلاَءُ الرِّجَاحُ العُقُولِ يَهْتَدُونَ لَهَا) انتهى [10] .
فهَذَا الْهُدْهُدُ طَائِرٌ من الطيورِ الْمُحْتَقَرَةِ الغيرِ مَرغوُبٍ فيها عندَ الناسِ، وَهَذِهِ مَعرفته لِتَوْحِيدِ خَالِقِهِ سُبحانه حتى بَلغَ شَأنه أنْ ذَكرَ اللَّهُ حِكَايتَهُ في كِتَابِهِ الكريمِ وَإنكارَه لِلشِّرْكِ وَتَعَجُّبَهُ مِنْ أنْ يَعبد الإنسانُ غيرَ مَعبودِهِ الْحَقِّ سُبحَانه!، وَبلَغ مِنْ شَأنِهِ هذا الْمَقَام مَع نَبِيِّ اللهِ!، وقد قال القرطبي في قول الْهُدْهُدِ: {فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ} : (أَيْ عَنْ طَرِيقِ التَّوْحِيدِ وَبَيَّنَ بِهَذَا أنَّ مَا لَيْسَ بِسَبِيلِ التَّوْحِيدِ فَلَيْسَ بِسَبِيلٍ يُنْتَفَعُ بِهِ عَلَى التَّحْقِيقِ) انتهى [11] ، وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُ أهلِ هذهِ الدَّعْوَةِ الْمُبَارَكَةِ - دَعْوَةِ الشيخِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الوَهَّابِ - رَحِمَهُم الله أجْمَعِين: (يَا لَيْتَ كَثِيرًا مِنْ النَّاسِ يَعْرِفُ مِنْ التَّوْحِيدِ مَا عَرَفَ الْهُدْهُدُ!) .
وقال تعالى: {قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى} [12] .
قال ابنُ القَيِّمِ ~ عن هَذِهِ الآيَةِ: (الآيَةُ شَامِلَةٌ لِهِدَايَةِ الْحَيَوَانِ كُلِّهِ نَاطِقِهِ وَبَهِيمِهِ، طَيْرِهِ وَدَوَابِّهِ، فَصِيحِهِ وَأَعْجَمِهِ) انتهى [13] .
يُريدُ ابن القيِّمِ ~ الْهِدَايَةَ العامَّة، وهَذه الآية مِثْل قوله تعالى: {وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى} [14] .
(1) سورة الإسراء، من الآية: 44.
(2) سورة النور، آية: 41.
(3) «تفسير الرازي» ، (12/ 176) .
(4) سورة النمل، من الآية: 16.
(5) سورة النمل، من الآية: 22.
(6) سورة النمل، من الآية: 22.
(7) سورة النمل، من الآية: 23.
(8) سورة النمل، آية: 24.
(9) مِن: «شِفاء العليل» ، ص (106 - 107) .
(10) «تفسير النسَفي» ، (3/ 209 - 210) .
(11) «تفسير القرطبي» ، (13/ 185) .
(12) سورة طه، الآية: 50.
(13) «شِفاء العليل» ، ص (106 - 107) .
(14) سورة الأعلى، آية: 3.