الصفحة 12 من 13

وقد ذَكَر ~ في كِتَابِهِ النَّفِيسِ «شِفَاءِ العَلِيلِ» مِنْ عَجَائب مَا ألْهَمَ اللَّهُ الْحَيَوَانَ وَالطَّيرَ وَالنَّحْلَ والنَّمْلَ لِمَعَايِشِهَا مَا يُبَيِّنُ قُدْرَةُ القَدِيرِ وَعِلْمِهِ وَلُطْفِهِ وَحِكْمَتِهِ.

وقد تقدَّم مَا ذَكَرَ الله - عز وجل - مِنْ قَولِ نَبِيِّهِ سُلَيْمَانَ # أنه قَالَ: {عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ} [1] ، فَهُوَ مَنْطِقٌ مُعَبِّرٌ لَكِنْ لاَ نَفْقَههُ!.

قالَ ابنُ القيم ~: (وَمَنْ عَلَِّمَ العُصْفُورَةَ إِذَا سَقَطَ فَرْخُهَا أنْ تَسْتَغِيثَ فَلاَ يَبْقَى عُصْفُورٌ بِجِوَارِهَا حَتَّى يَجِيءُ فَيَطِيرُونَ حَوْلَ الفَرْخِ وَيُحَرِّكُونَهُ بِأفْعَالِهِمْ ويُحْدِثوُنَ لَهُ قُوَّةً وَهِمَّةً وَحَرَكَةً حَتَّى يَطِيرُ) [2] .

وقد تقدم بيان أنَّ الطُّيورَ أمَّة من الأمَمِ كما في قوله تعالى: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ} [3] ، فأنَتَ يا مَنْ تَحْبِسُ طائرًا في قفَصٍ تَتَمَتَّع بزعمِكَ بِصَوته وَشَكله الْحَسَن، ورُبَّمَا أنه يَشكوكَ إلى رَبِّهِ وخالقِهِ الذي أعْطَاهُ جَناحَيْن يَطير بِهِمَا فِي فَضَاءٍ وأنتَ عَطَّلْتَ جَناحَيهِ بِحَبْسِكَ إِياه واستمتاعك بصَوْتِهِ الْحَسَن وشَكْلَه الْجَمِيل!، فَهُوَ مِثْل الْمُعَوَّق الَّذي لاَ تَحْمِله أقْدَامُهُ، بَلْ يَزِيدُ عليه بِحَبْسِهِ!؛ وَتَأمَّلْ إنْ كُنْتَ تَخَافُ الْحِسَابَ يَوْم القِيَامَة قَوله تعالى: {ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ} .

وقَدْ جَاءَ عن أبِي الدَّردَاء - رضي الله عنه - أنه قال: (تَجِيءُ العَصَافِيِرُ يَوْمَ القِيَامَةِ تَتَعَلَّقُ بِالْعَبْدِ الَّذِي كَانَ يَحْبِسُهَا فِي القَفَصِ عَنْ طَلَبِ أرْزَاقِهَا وَتَقُولُ:"يَا رَبُّ هَذَا عَذَّبَنِي فِي الدُّنْيَا"!) انتهى [4] .

وَلذَلِكَ مَنَعَ ابنُ عَقِيلٍ ~ حَبْسَ الطَّيْرِ فِي القَفَصِ وَجَعَلَهُ سَفَهًا وَتَعْذِيبًا حيثُ قال حِينَمَا سُئِلَ عَنْ حَبْسِها لِطِيبِ نَغْمَتِهَا: (سَفَهٌ وَبَطَرٌ، يَكْفِينَا أَنْ نَقْدُمَ عَلَى ذَبْحِهَا لِلأَكْلِ فَحَسْبُ، لِأَنَّ الْهَوَاتِفَ مِنْ الْحَمَامِ رُبَّمَا هَتَفَتْ نِيَاحَةً عَلَى الطَّيَرَانِ وَذِكْرِ فِرَاخِهَا!، أَفَيَحْسُنُ بِعَاقِلٍ أَنْ يُعَذِّبَ حَيًّا لِيَتَرَنَّمَ فَيَلْتَذَّ بِنِيَاحَتِهِ!؛ فَقَدْ مَنَعَ مِنْ هَذَا أَصْحَابُنَا وَسَمَّوْهُ سَفَهًا) انتهى [5] .

(1) سورة النمل، من الآية: 16.

(2) «شِفاء العليل» ، ص (114) .

(3) سورة الأنعام، آية: 38.

(4) «حياة الحيوان الكبرى» للدميري، (2/ 213) .

(5) أنظر: «بدائع الفوائد» (3/ 655) ، و «غِذاء الألباب» (1/ 349) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت