الصفحة 13 من 13

وقال ~ - أيضًا: (نَحْنُ نَكْرَهُ حَبْسَهُ لِلتَّرْبِيَةِ لِمَا فِيهِ مِنْ السَّفَهِ , لِأَنَّهُ يَطْرَبُ بِصَوْتِ حَيَوَانٍ صَوْتُهُ حُنَيْنٌ إلَى الطَّيَرَانِ وَتَأَسُّفٌ عَلَى التَّخَلِّي فِي الْفَضَاءِ) انتهى [1] .

وقال ابنُ مُفْلِحٍ ~: (فَأَمَّا حَبْسُ الْمُتَرَنِّمَاتِ مِنْ الْأَطْيَارِ كَالْقَمَارِيِّ وَالْبَلاَبِلِ لِتَرَنُّمِهَا فِي الأَقْفَاصِ فَقَدْ كَرِهَهُ أَصْحَابُنَا لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْحَاجَاتِ إلَيْهِ، لَكِنَّهُ مِنْ الْبَطَرِ وَالأَشَرِ وَرَقِيقِ الْعَيْشِ، وَحَبْسُهَا تَعْذِيبٌ) انتهى [2] .

وفي كَلاَم ابنِ عَقِيل وابن مُفلحٌ وغيرهم مِمَّا ذكرناه هنا ردٌّ على مَن أجازَ حَبْسَ الطُّيوُرِ في الأقفاص إذا كان حَابِسُها يقوم بتوفيرِ أكْلِهَا وَشُرْبِهَا؛ وقد تبيَّن مِرَارًا أنَّ العِلَّةُ في عدم جواز حبْسِ الطيور في الأقْفَاص ليسَتْ فَقَطْ بِمَنْعها الْمَأكَل والْمَشْرَب وَإِنَّمَا الْحَبْسُ لِأنه ظُلْمٌ وعَذَابٌ.

وَعَلَيهِ فَتَأمَّل رَحمةَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - بِمِثْل هَذِهِ الطيوُرِ، فَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ مَسْعُودٍ - رضي الله عنه - أنَّهُ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي سَفَرٍ فَانْطَلَقَ لِحَاجَتِهِ، فَرَأَيْنَا"حُمَّرَةً" [3] مَعَهَا فَرْخَانِ، فَأَخَذْنَا فَرْخَيْهَا، فَجَاءَتْ الْحُمَّرَةُ فَجَعَلَتْ تَفْرِشُ [4] ، فَجَاءَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ: (مَنْ فَجَعَ هَذِهِ بِوَلَدِهَا؟!، رُدُّوا وَلَدَهَا إِلَيْهَا) [5] .

تأمَّلْ قَولَه - صلى الله عليه وسلم: (فَجَعَ) تَعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الطُّيور تَتَألَّمَ حَتى وَصَفَ - صلى الله عليه وسلم - هَذِهِ الْحُمَّرَة بِأنَّهَا (مَفْجُوعَةٌ) !، وإذَا كَانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَأَلاَ تُفْجَعُ بِحَبْسِهَا؟!، وَمَا مَصْلَحَةُ فَاجِعِهَا؟!، إِنهُ التَّسَلِّي بِحُزْنِهَا وَنُوَاحِهَا!؛ فَلَعَلَّ مَن كَانَ غَافِلًا أنْ يَتَنَبَّهْ.

وَقَالَ الْحَافِظُ الْمُحدِّثُ أبو نُعَيم ~: حدَّثنا سُلَيمَان بنُ أحْمَدِ الطَّبَرَانِي - وَهُوَ صَاحِبُ الْمَعَاجِمِ الْحَدِيثِيَّةِ الثَّلاَثَةِ الْمَعْرُوفَةِ -، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بنُ عبدِ العَزِيزِ، حَدثنا عَارِم أبو النُّعْمَان قالَ: أتَبْتُ «أبَا مَنْصُور» أعُوُدُه فَقَال لِي: بَاتَ سُفْيَانُ الثَّوْرِي ~ في هذا البيتِ وَكانَ هَهُنَا بُلْبلٌ لِابْنِي؛ فَقَالَ: (مَا بَالُ هَذَا الطَّيْرِ مَحْبُوسٌ!

(1) أنظر: «الفروع» لابن مفلح، (6/ 208) و (12/ 464) .

(2) أنظر: «الآداب الشرعية الكبرى» (4/ 20) .

(3) الْحُمَّرة: طائر صغير كالعصفور. أنظر: «لسان العرب» لابن منظور (4/ 215) .

(4) أيْ: ترفرفت بجناحيها وتقرَّبت من الأرض. أنظر: «عون المعبود» للعظيم آبادي (7/ 240) .

(5) أخرجه أبو داود في «سننه» برقم (2657) و (5268) ؛ وقال النووي في «رياض الصالحين» ص (367) : (إسناده صحيح) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت