الصفحة 7 من 13

في وقتنا زادوا على ما قاله الإمام أحمد ~: (أكْثَرُ مَا يُخْطِيءُ النَّاسُ مِنْ جِهَةِ التَّأوِيلِ وَالقِيَاسِ) [1] ، فَيُؤَوِّلوُن وَيَقِيسُون دونَ تَحقيقٍ!، فهُم يَلتمِسُون مِنْ الشريعةِ على مَا أحدثوا مَا لاَ يُطاوِعهم إلاَّ قَسْرًا وَغَصْبًا!.

وبالعكْسِ فالحديثُ زاجِرٌ ورادعٌ لِمَنْ يَعْقِل أنْ يقترب مِن مِثْلِ هَذا الفِعْل.

فلَوْ قَالَ: (أنَا أحْبِسُ الطُّيوُرَ وأُطْعِمُها وأسْقِيهَا) فقَد تبينَ أنَّ العِلَّةَ ليسَتْ فَقَطْ في عَدَمِ ذلك، وإنَّمَا هي في الظُّلْم أيضًا، وإذا كانَ هذا الوعيد الْمُتَحَقِّق فِي شأنِ هِرَّةٍ فكيف بِمَن يَظلمُ الناس؟!.

وَيُقَال أيضًا لهذا: أنتَ تَنشَغِل وَتنسى وَيَعْرِضُ لك مَا يَعرض مِمَّا يَشغلك عن تعاهدها، ولاَ مَصلحة بِجَانِبِ هذه الْمَفْسَدَةِ وقد حصل مِنْ مَوْتِ الطيورِ ونَحوها لِهَذِهِ الأسبابِ الكثيرُ، ومَن شاء فليسأل أربابَهَا!.

فالمفسدةُ كبيرةٌ بِالْحَبْسِ وَحْدَه مُقَابِل لاَ مَصْلَحَة لأنه إذا كان التسلِّي بِإِيلاَمِ هَذِهِ الْمَخلوقاتِ مَصلحةٌ فهذه لاَشَكَّ أمْزِجَةٌ مُنحَرِفَةٌ؛ والْمُؤْمِنُ مُطَالَبٌ بِالرَّحمةِ والإحْسَانِ وَمَنْهِيٌّ عنْ التَّجَبُّرِ وَالظُّلْمِ، وَعَلَى العَاقِلِ أنْ يُفَكِّر فِي شَأنِ حَابِسَةِ الْهِرَّةِ وَسَاقِية الكَلْبِ [2] ؛ فَالبَغْيُّ غُفِرَ لَهَا بِسَقْي كَلْبٍ، وَصَاحِبَةُ الْهِرَّةِ دَخَلَت النَّارَ بِحَبْسِهَا وَظُلْمِهَا!.

وبَعضُ الناسِ قد يكونُ غَافلًا عَنْ ذلك فَالْحِكْمَةُ ضَالَّةُ الْمُؤْمِنِ.

(1) أنظر: «مجموع الفتاوى» ، (19/ 75) و (7/ 118) .

(2) تقدم ذكر حديث حابسة الهرة، وأما البغي التي غفر لها بسقيها كلب فقد أخرج البخاري في «صحيحه» برقم (3280) ومسلم برقم (2245) عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (بينما كلب يطيف بركية قد كاد يقتله العطش إذ رأته بَغِي من بغايا بني إسرائيل فنزعت موقها فاستقت له به فسقته إياه، فَغُفِر لَهَا به) .

وقد أخرج البخاري في «صحيحه» برقم (2234) ومسلم برقم (2244) عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (بينما رَجُل يَمشي بطريق اشتد عليه العطش، فوجد بئرًا فنزل فيها فشرب ثم خرج، فإذا كلب يلهث يأكل الثرى من العطش، فقال الرجل:"لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان بلغ مني"، فَنَزَل البئرَ فملأ خُفه ماءً ثم أمسكه بفيه حتى رقى فسقى الكلب، فشَكَرَ الله له فَغَفَر له) ، قالوا: يا رسول الله .. وإنَّ لنا في هذه البهائم لأجرًا؟!؛ فقال - صلى الله عليه وسلم: (في كل كَبِدٍ رَطْبة أجْر) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت