وإنه لتحذيرٌ هَائلٌ عظيمٌ!، فهذه المرأة - التي حبَسَت الْهِرَّة - مُسْلمة، وإنَّمَا صَارَ سببُ دخُولِهَا النار هَذا الأمْرُ [1] !، ومَنْ ذا يُطيق عذابَ النَّار؟!.
والعجَبُ أنْ يُسْتَدل بذلك على تسويغِ وتهوينِ حبس الطيور في الأقفاصِ الذي كَثُر وانتَشَر!.
وأكثرُ مَا يَفعله الْمُتْرَفُونَ الذين لَمْ يَذكرهم الله - عز وجل - في كتابه الكريم إلاَّ بالذَّمِّ ويُحَذِّر الناسَ أنْ يَسْلكوا مسالِكَهُم.
ولَيس في هذا الحديثِ مُسْتَمسكٌ لِهَؤلاء، ولكنه خَبَرٌ خَرَجَ مَخْرَج التحذيرِ مِن التعرُّضِ لِلظُّلْمِ وَلِمَا يُوصِلُ إِلَى العذابِ الأليم.
ومعناه أنَّ الْمَرْأةَ أساءَتْ إلى هِرَّةٍ وَظَلَمَتْهَا بِحَبْسِهَا، وزادَتْ في شَرِّها وعدوانها أنها لَمْ تُطْعِمْهَا وتَسْقِهَا، فاستدلالُهُم باعتبارِ أنها لَوْ أطعمتها وسَقَتْهَا فليس في ذلك شيءٌ؛ وهذا غَلَطٌ ظاهر، فالْمَنْهِيُّ عنه هو الظلم حتى لِهَذِهِ المخلوقات الْمُحْتَقَرَة، وهذا خلاف الصائل فإنه يُقتل سواء القِطَط أو غيرها ولاَ يُعذَّب، وعندَ أهلِ العِلْمِ قَاعِدَة شَرعية تُبَيِّنُ ذلك وهي: (مَا آذَى طَبْعًا قُتِل شَرْعًا) ، وليسَ هَذَا هُوَ مَوضُوعنا.
فَقِصَّةُ الْحَدِيثِ لاَ تصلُحُ إطلاقًا كَدَلِيلٍ يُسوِّغ ظُلْمَ المخلوقاتِ الْحَيَّةِ، بَلْ قِصَّته أعظم رَادِعٍ وزَاجِرٍ ومُحَذِّرٍ من الظُّلْمِ؛ وَمِنْ ظُلم المخلوقَاتِ مَا يفعله البعضُ مِنْ حَبسِ الطيورِ في الأقْفَاصِ.
وإذا كانت العِلَّة على رأيِ المسَوِّغين حبسَ الطيوُرِ أنَّ المرأةَ لَمْ تُطْعِم الْهِرَّة ولَمْ تَسْقِهَا، فهل إذا حُبِسَ إنسانٌ ظُلْمًا وأُطْعِمَ وَسُقِيَ يكون ذلك غَير ظُلْمٍ له؟!، بل هو ظُلْمٌ؛ وإنَّمَا مَنْعُهُ الطعام والشَّرَاب زيادةً في الظلمِ والعُدْوَان.
فإنْ قِيل: (هذا صَحِيحٌ بالنسبةِ للإنسَانِ، ولكنَّ هذه الطيوُر ونحوها ليسَتْ كَالإنسَان) ، فيقال: حَبْسُهَا ظُلْمٌ لَهَا لأنها لَمْ تُخْلَقْ ليُضيَّق عَلَيهَا، ولاَ رَيْبَ أنها تتألم بذلك الحبس، وغايةُ ما هناكَ أننا لاَ نَفْقَهُ لُغَاتها، وَلِاشْتِرَاكِ الناسِ في العِلمِ أنَّ حبسَ الطائرِ فِي القَفَصِ عَذابٌ له فَهُمْ يقولون:"المؤمنُ عندَ الذِّكْرِ والموعِظَةِ كَالسَّمَكِ فِي الْمَاءِ، والفَاسِقِ كالطائِرِ فِي القَفَصِ"!.
وما يُدْرِي حَابِسها أنَّ أصواتَهَا التي يَتلذَّذُ بسماعها حنينٌ وَبَثُّ شكوى لِخَالِقِهَا!، ولقد وسَّع الله لَهَا الفَضَاء وأعطاهَا أجْنِحَةً تَطِيِرُ بِهَا فِيهِ كَمَا أعطَاكَ قَدَمَيْن تَسِيِرُ بِهِمَا عَلَى الأرْضِ وَأنتَ من أجلِ هَوَاك تضيِّقُ عَليهَا وَتَظَنُّ أنَّهَا تُغَنِّي لِكَيْ تُطْرِبك!؛ فالقياسُ إذَنْ على حديثِ المرأةِ والْهِرَّةِ فاسدٌ مِنْ الأصلِ، ولكن كثيرون
(1) وليس هذا دخول خلود، ولكنه هائل ولو كان لَمحَة بَصَر!.