ومما أخبر به النبي -صلى الله عليه وسلم- أيضًا عن تمايز الناس وتفاوت أحوالهم في هذه الفتن -وهذا من دلائل نبوته -عليه الصلاة والسلام- ما جاء في حديث أبي بكرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- بإسناد حسن أنه قال: (( ينزل ناس من أمتي بغائط يسمونه البصرة ) ): أي بأرض منخفضة يطلق عليها مدينة البصرة، وذلك قبل أن توجد البصرة، فهذا يدل على أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يحدث عن الوحي عن الله -تبارك وتعالى-.
يقول: (( ينزل ناس من أمتي بغائط يسمونه البصرة، عند نهر يقال له: دجلة، يكون عليه جسر، يكثر أهلها، وتكون من أمصار المسلمين، فإذا كان في آخر الزمان جاء بنو قنطوراء ) ): وبنو قنطوراء وصفهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بقوله: (( عراض الوجوه، صغار الأعين، حتى ينزلوا على شط النهر ) ): وهؤلاء هم الترك، كما فسر ذلك العلماء -رحمهم الله-، وهم التتار الذين نزلوا وخربوا بغداد.
قال: (( فيتفرق أهلها ثلاث فرق، فرقة يأخذون أذناب البقر والبرية وهلكوا ) ): أي أن فرقة من هذه الثلاث الفرق يعرضون عن المقاتلة هرباًَ منها وطلبًا لخلاص أنفسهم ومواشيهم، ويحملون على البقر فيهيمون في البوادي ويهلكون فيها، أو يعرضون عن المقاتلة ويشتغلون بالزراعة ويتبعون البقر للحراثة إلى البلاد الشاسعة فيهلكون.
يقول: (( وفرقة يأخذون لأنفسهم وكفروا ) ): أي أن الفرقة الثانية يطلبون أو يقبلون الأمان والعهد من بني قنطوراء، فيدخلون تحت طاعتهم، ويبقون تحت لوائهم.
يقول -صلى الله عليه وسلم-: (( وفرقة يجعلون ذراريهم خلف ظهورهم ويقاتلونهم، وهم الشهداء ) ) [1] : أي يتركون أطفالهم ونساءهم خلفهم فيقاتلون الكفار فيقتلون في سبيل الله فأولئك هم الشهداء الكاملون.
(1) أخرجه أبو داود في كتاب: والملاحم - باب: ذكر البصرة (4306) (ج 2 / ص 516) ، وحسنه الألباني صحيح الجامع (14130) .