بهذه الحقوق قبل نشأة النظم السياسية و قيام الدول، بل إن الدولة ما قامت إلا لحماية هذه الحقوق، و من تم كان على الدولة احترام هذه الحقوق و عدم اصدار أي قانون من شأنه المساس بها أو عرقلة الاستمتاع بها، ومصدر القانون الطبيعي هذا إنما هو الطبيعة.
و هذه الفكرة كما هو واضح قائمة على الإلحاد، لأنها تنظر إلى الطبيعة التي هي خلق من خلق الله على أنها مصدر للقانون الذي يعطي الإنسان حقوقه وحرياته، و إذا اتضحت الأصول التي ترتكز عليها الحقوق و الحريات في النظام الديمقراطي، تبين لنا لماذا ترتبت عليها تلك النتائج والآثار التي يصر المدافعون على الديمقراطية إخفاءها وإظهار الوجه البراق للديمقراطية. ولنضرب مثالًا على بعض اللافتات التي ترفعها الديمقراطية محسنة وجهها و مخفية وراءها ما لا تقبله الفطر السليمة .. فالتعليم مثلًا حق من الحقوق الديمقراطية، و قد ينظر إليه على أنه من الحقوق الصالحة الطيبة، ففي ظل هذا الحق يستطيع الإنسان أن يزيل الجهل عن نفسه و أن يوسع معارفه بالنافع المفيد، و إذا كان هذا جزء مما دل عليه هذا الحق، فإن من هذا الحق أيضًا في النظم الديمقراطية أن يتعلم الإنسان الكفر و الإلحاد والمذاهب الضالة، و يعلمها لغيره و يحسنها له، و لا يستطيع أحد أن يفصل بين هذا و ذاك، فيقول يجوز أو يجب تعلم الخير النافع و لا يجوز تعلم الإلحاد و الكفر و الفسوق، لأن الأساس الذي يبنى عليه هذا الحق يجيز الإثنين. فهذه هي الديمقراطية و تلك هي أركانها ذات الأصل الإلحادي كما سبق بيانه.
فأين هي مظاهر الئتلاف بين الشورى و الديمقراطية؟ و كيف ينبغي لها أن تكون، إذ من المستحيل أن يكون ائتلاف بين ضدين فما بالك بين حكم شرعه الله و هو الشورى، و بين حكم لا يعترف بوجود الله، و في أحسن الأحوال لا يجعل الله إلا خالقا و كفى؟
الديمقراطية اسم لا حقيقة له:
1 ـ لأن مفهوم الشعب الوارد في التعريف"حكم الشعب للشعب"غامض، و واقعًا الذين أسسوا النظام الديمقراطي كانوا قلة من الناس هم الذين قرروا من الذي يستحق أن يدخل في مسمى الشعب الحاكم و من الذي لا يستحق.
2 ـ و لأن حكم الشعب أمر متعذر، و حتى أيام الديمقراطية المباشرة (المثالية) في القرن 5 قبل الميلاد كان الذين لهم حق المشاركة نسبة ضئيلة، و كان يكفي أن يحضر 6 آلاف من 36 ألف عضو لتُتَّخَذ القرارات، و لا تتعدى مدة الاجتماع 10 ساعات، فلا يشارك إلا القليل.
3 ـ و لأن ديمقراطيو القرن 18 م تحايلوا و سموا ديموقراطيتهم ديموقراطية غير مباشرة بسبب تزايد السكان، فيختار الشعب من يمثله فيحكمون باسمه.
4 ـ و لأن دعاتها سخروا منها كونها مخالفة للنظام الطبيعي، إذ كيف تكون الأغلبية حاكمة و الأقلية محكومة؟ و بالتالي فلا يمكن أن يحكم الشعب في الشق التنفيذي. و بقي الشق التشريعي، فالشعب ليس هو المشرع في الديموقراطية النيابية و إنما هو الذي ينتخب من يشرع، و لا يُعتبر الشعب حرًا إلا في فترة الانتخابات لأعضاء البرلمان.
5 ـ و لأن النواب ليسوا هم الشعب، فالقضايا كثيرة و معقدة، و بحاجة إلى علم لا يتأتى لعامة الناس، فالحكم إذن ليس حكم الشعب.
6 ـ و لأن المنتخَبون يُنتخَبون بالأغلبية التي ليست هي الكل، و ما ترتضيه الأغلبية في دائرة قد لا ترتضيه الأغلبية في دائرة أخرى، ثم إن الأمر لو طرح للإنتخاب المباشر قد لا ترتضيه أغلبية الشعب.
7 ـ ثم لأن الأغلبية ليست أغلبية الشعب، فهناك طبقات كانت و أخرى لا زالت محرومة من حق التصويت، كالمرأة قديمًا و السود و الأرقاء و كالسجناء أصحاب الجنح، إضافة إلى من دون سن معينة (18 سنة مثلًا) .