الصفحة 44 من 95

8 ـ و لأن الأغلبية هي أغلبية من صوتوا فقط، ممن يحق لهم أن يصوتوا، مع أن كثيرًا من المواطنين لا يسجلون أسماءهم و كثير ممن يسجلون أسماءهم لا يصوتون.

9 ـ و لأن الديموقراطية في الغرب ليست مطلقة بل مقيدة بالليبرالية، و معنى هذا أن المجتمع يتكون أساسًا من أفراد لا من طبقات و لا من أُسَر و لا من أي تجمعات أخرى و بالتالي لا يحق للحكومة و لا فئة من الشعب أن تتغول على حرية الفرد، و لذلك فإنهم يدعون للحد الأدنى من الحكومة، و يُحذِّرون من ديكتاتورية الأغلبية، و يسعون من خلال ذلك أن يكبحوا جماح الجماهير، حتى لا يتحول حكم الشعب إلى حكم قهري تعسفي و فاسد و غير حكيم. و من ثم جعلوا الليبرالية هي الأساس و لو أدى الأمر إلى التضحية بالديمقراطية من أجل الليبرالية.

تعريف الشورى و بيان الفروق بينها و بين الديموقراطية

و لما كانت أصوات أصحاب الندوة تأبى إلا أن تسمي الديمقراطية بالشورى، و من تم تدعو إلى التزامها و الدعوة إليها، و إلى الاحتكام إليها ناسين بذلك أنهم يدعون إلى دين غير دين الإسلام، فقد تعين علينا أن نبين للقارئ تعريف الشورى المباين لتعريف الديمقراطية و من تم الفوارق بينهما.

قال تعالى: {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} أي يتشاورون في الأمور.

والشورى مصدر شاورته، مثل البشرى والذكرى ونحوه.

فكانت الأنصار قبل قدوم النبي - صلى الله عليه وسلم - إليهم إذا أرادوا أمرًا تشاوروا فيه ثم عملوا عليه، فمدحهم الله تعالى به، قاله النقاش. وقال الحسن: أي إنهم لإنقيادهم إلى الرأي في أمورهم متفقون لا يختلفون، فمدحوا باتفاق كلمتهم. قال الحسن: ما تشاور قوم قط إلا هدوا لأرشد أمورهم.

و قال الضحاك: هو تشاورهم حين سمعوا بظهور رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، و ورد النقباء إليهم حتى اجتمع رأيهم في دار أبي أيوب على الإيمان به والنصرة له.

و قيل تشاورهم فيما يعرض لهم، فلا يستأثر بعضهم بخبر دون بعض.

و قال ابن العربي: الشورى ألفة للجماعة ومسبار للعقول وسبب إلى الصواب، و ما تشاور قوم إلا هدوا.

و قد قال الحكيم:

إذا بلغ الرأي المشورة فاستعن ... برأي لبيب أو مشورة حازم

ولا تجعل الشورى عليك غضاضة ... فإن الخوافي قوة للقوادم [1]

فمدح الله المشاورة في الأمور بمدح القوم الذين كانوا يمتثلون ذلك.

و قد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يشاور أصحابه في الآراء المتعلقة بمصالح الحروب، و ذلك في الآراء كثير. و لم يكن يشاورهم في الأحكام، لأنها منزلة من عند الله على جميع الأقسام من الفرض و الندب و المكروه و المباح و الحرام، فأما الصحابة بعد استئثار الله تعالى به، كانوا يتشاورون في الأحكام و يستنبطونها من الكتاب والسنة. و أول ما تشاور فيه الصحابة الخلافة، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم ينص عليها حتى كان فيها ما كان بين أبي بكر و الأنصار. و تشاوروا في الجد وميراثه، و في حد الخمر و عدده، و تشاوروا بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الحروب.

و بعد هذا التعريف نذكر أهم الفوارق بين الشورى و الديمقراطية:

1 ـ الشورى كلمة عربية قرآنية جاء ذكرها و الأمر بها في القرآن الكريم في أكثر من موضع بينما الديمقراطية كلمة غربية ذات أصول إلحادية خبيثة المنبت و المنشإ كما سبق بيانه، و لا وجود لها في دين الله.

(1) البيتان لبشار بن برد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت