تقييدها أو تخصيصها، بل هو حق مطلق. و في هذا المجال لا تسل عن جريمة الردة أو عن حدها، فالردة في النظام الديمقراطي حق من الحقوق التي يجب كفالتها و حرية متاحة للجميع. أما بالنسبة للمسلم في النظام الديمقراطي، فحرية التدين بالنسبة له تنطلق من المفهوم النصراني الغربي للدين، و الذي يحصره في مجرد الإيمان بوجود الله، إضافة إلى العبادات الشخصية، أما ما عدا ذلك من الأحكام الشرعية المنظمة لشؤون الناس و معاملاتهم و مصالحهم، فإنها خارج نطاق هذه الحرية، و إنما يكون المسلم فيها ملتزمًا بالخضوع للقانون الوضعي الذي يعد معبرًا عن الإرادة الشعبية. و من هنا يتبين بوضوح بطلان القول بأن النظام الديمقراطي لا يحول بين المسلم و بين الالتزام الكامل بأحكام دينه.
وإذا ما و ضعنا مقارنة بين النظام الإسلامي و النظام الديمقراطي، نجد أن الإسلام يضع لهذا الحق حدودًا، بحيث يمنع المسلم من الارتداد عن دينه، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «من بدل دينه فاقتلوه» [1] . أما النظام الديمقراطي فلا يلتفت لهذا النص و أمثاله، بل يعتبره حرمانًا للناس من حقوقهم.
وإذا تركنا مجال الاعتقاد و انتقلنا إلى مجال الأخلاق .. فإننا نجد في ظل النظام الديمقراطي كل الرذائل و الموبقات الخلقية أصبحت حقوقًا و حريات، فالزنى حق من الحقوق، و ممارسة الأفعال الفاضحة علنًا في الشوارع حق أيضًا من حقوقهم، و حرية متاحة للجميع و كذلك مواقعة الرجال بعضهم بعضًا لا غضاضة فيه و لا تحريج عليه، بل هو حق مصان بقوة القانون. فلا يمكنك أن تجد نظامًا يزعم أنه نظام ديمقراطي ـ و العالم كله أمامك ـ إلا وفيه هذه الحرية حرية التحلل من جميع القيود الأخلاقية. و لعله يكون من المناسب أن نذكر بعض الأحكام التي يضمنها قانون دولة عربية ترفع شعار الديمقراطية، تقول إحدى مواد هذا القانون:"لا يعاقب القانون على جريمة هتك العرض إذا ما كانت الفتاة بالغة و تم الفعل برضاها". و تقول مادة أخرى:"للزوجة التي زنى زوجها في منزل الزوجية، لها الحق ان تزني مع من شاءت و لا تثريب عليها أن فعلت ذلك"كل هذا يتم باسم الديمقراطية. فيا من تقولون: إن الديمقراطية هي الشورى، أتدعو الشورى إلى مثل هذا، أم أنها تعتبره من أقبح القبائح و أرذل الرذائل؟
و إذا ما انتقلنا إلى مجال الاقتصاد: و جدناه يقوم على أساس المذهب الفردي، الذي يعطي الفرد حرية مطلقة في الكسب و التملك و الثراء، بلا قيود ولا ضوابط و لا أخلاق، فالربا و الاحتكار و القمار و الغش و غير ذلك من الطرق المشبوهة و سيلة شريفة و مشروعة لكسب المال، و الفرد حر حرية مطلقة أيضًا في إنفاق المال المكسوب، ولو كان ذلك على الفساد و الرذيلة، و ليست هناك أهداف أو غايات اجتماعية محمودة يتم تحقيقها من وراء تملك المال، فليس للفقير أو المسكين أدنى حق في مال الغني.
و إذا ما انتقلنا إلى الصعيد الدولي أو العالمي .. لنرى نظرة الدول الديمقراطية وتعاملها مع الشعوب و الدول الأضعف منها نجدها نظرة لا أخلاق فيها و لا أمانة و لا حق و لا عدل ولا حرية. فمثلًا الدول الغربية التي احتلت الدول الإسلامية ... و أكلت خيراتها و نهبت ثرواتها و قتلت أبناءها، كانت و ما زالت دولًا ديمقراطية، ترفع شعار الديمقراطية و تتغنى به، فهل كان في الديمقراطية خلق أو أمانة أو عدل أو حق أو حرية أو غير ذلك مما يتشدق به دعاة الديمقراطية، ما يحجز تلك الدول عن الفتك بدول أضعف منها بغير ذنب و لا جريرة؟
ونود ههنا أن نوضح الأساس الذي بنيت عليه هذه الحقوق والحريات، كي تتضح الصورة جيدًا عند من لا يعرف أصول الديمقراطية، و من هم الواقفون وراءها. إن النتائج و الآثار التي مر ذكر بعض منها، و إن كانت مفاجئة وفيها شيء من الغرابة لمن لا يعرفون حقيقة الديمقراطية، إلا أنها لم تكن بالنسبة لنا كذلك، و ذلك لأن الأساس الذي بنيت عليه الحقوق ... و الحريات، هو أساس كفري إلحادي، كما كان أساس نظرية سيادة الشعب. إذ يقوم هذا الأساس على فكرة القانون الطبيعي، و تقول هذه النظرية أن للإنسان حقوقًا لاصقة به لا يمكن أن تنفصل عنه، يكتسبها بمجرد الميلاد، و أن الإنسان كان يتمتع
(1) البخاري