سيعلمه التوراة، وينزل عليه الإنجيل ويؤيده بالمعجزات، فاستعظمت أن يكون منها ولد وليس لها رجل فكيف؟!
فأخبرها ملاك الرب جبريل، روح القدس أن الله -عز وجل- قادر على كل شيء، وأنه يخلق ما يشاء مما يشاء، وأنه إذا قضى أمرًا فإنه يقول له كن فيكون .. ثم نفخ في جيب ضرعها، فحملت من تلك النفخة كما تحمل النساء، ثم لما جاءها الوضع خرجت إلى مكان منعزل بعيدًا عن أعين الناس، فوضعت ابنها عيسى عليها السلام، وباتت في حال عظيمة من الخوف والفضيحة، والذل، والوحشة، والإنكسار فتمنت أن تكون قد ماتت قبل هذا الابتلاء، أو أن تكون شيئًا منسيًا لا يأبه له أحد، ولا يتذكره أحد: {قالت: يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيًا منسيًا} فأنطق الله وليدها وهو ما زال ملقىً تحتها قائلًا: أماه لا تجزعي، ولا تحزني هذا جدول ماء، فاشربي منه، وهذه النخلة هزي جذعها يهتز، ويسقط عليك من رطبها .. وإذا رأيت أحدًا فصومي عن الكلام وسأتولى أنا الرد عنك ..
وكانت هذه أول معجزاته -عليه السلام-، .. فلما حملته مريم وعادت إلى أهلها استعظموا أمرها عندما وقعت أعينهم عليها وهي تحمل غلامًا، وبادروها باللوم والتعنيف قائلين: يا مريم لقد جئت شيئًا فريًا، لقد أتيت شيئًا منكرًا أيتها العابدة الناسكة، لم يكن أحد من أهلك على هذا المسلك المشين، فلم يكن أبوك رجل سوء، ولا أمك بغية زانية، ولا أحدًا من إخوانك، فما كان منها -وقد نذرت لله صومًا عن الكلام- إلا أن أشارت إليه: أي اسألوا ابني عن نفسه، فاستنكروا منها كذلك أن تشير إلى طفل رضيع ليرد عنها ويحدث الناس: {قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيًا} ، فانتصب عيسى لبيان حقيقة نفسه، وتبرئة والدته فقال: إنني عبدالله، سأعيش لأعمل بالتوراة ولأكون نبيًا رسولًا من الله، وسينزل الله علي كتابًا يتلى هو الإنجيل، وسأكون مثلًا يحتذى في الخلق، والفضل، والعلم والتقى، ورجلًا مباركًا في كل مكان، وسأكون مصليًا عابدًا لله الذي أرسلني لأدعو الناس إلى عبادته، {قال إني عبدالله آتاني الكتاب وجعلني نبيًا، وجعلني مباركًا أينما كنت، وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيًا، وبرًا بوالدتي، ولم يجعلني جبارًا شقيًا، والسلام علي يوم ولدت، ويوم أموت، ويوم أبعث حيًا} .
5 -ولما بلغ عيسى -عليه السلام- مبلغ الرجال آتاه الله علم التوراة، وأنزل عليه الإنجيل، وأرسله إلى بني إسرائيل رسولًا معلمًا داعيًا إليه، وأيده بصنوف من المعجزات ولكن بني إسرائيل وقفوا منه موقف التكذيب شأنهم معه كشأنهم مع سائر أنبيائهم، ورسلهم فعارضوه، وأنكروه، عامتهم.، وجمهورهم ولكن آمن به بعضهم، ثم اشتد مكر اليهود به وسعيهم في إبطال دعوته، وقطع رسالته، فوشوا به إلى الحاكم الروماني في فلسطين ليقتله.
{ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين} .