والثاني: أن علة بناء الاسم تنحصر في شبه الحرف.
والثالث: أن الشبه ينقسم إلى ثلاثة أقسام: وضعي، ومعنوي، واستعمالي، وقد اعترض عليه في كل من الثلاث"."
ثم شرع في الكلام عن كل مقام منها، فتحدث عن صور الواسطة بين الإعراب والبناء، وقد سار الزركشي على منهج محدد واضح المعالم ظاهر القسمات؛ فكان يورد كل قسم من أنواع الشبه بين الاسم والحرف مبينًا معناه وضابطه، وما يندرج تحته من الأسماء المبنية معتذرًا عن ابن مالك. ورادًّا الاعتراض عنه، مبينًا مذاهب النحويين في كل منها.
وبعد أن انتهى من الكلام على هذه الأبيات تحدث عن أشياء تركها من الأسماء المبنية، مع أنه ليس فيها شيء من هذه العلل التي في نظمه، وقد ساقها واحدة تلو الأخرى ذاكرًا علة بنائها بما يدفع الاعتراض عنه، وَبَيَّن العوارض التي تعرض للاسم فتوجب بناءه، مثل: التركيب، والتعريف، وقطع الإضافة والمشابهة اللفظية، والخروج عن النظائر، وغيرها. وختم كلامه بتنبيهات تتعلق بموضوع رسالته، فتحدث عن الإعراب وحركاته، والفرق بينها وبين حركات البناء وأيهما أسبق؟
وألف الزركشي هذه الرسالة وهو يشكو من سوء حظه الذي حال دون أن يتبوأ المكانة التي تليق به؛ فيقول"والمال قد مال، والأحوال حائلة، والجار قد جار، والإخوان خُوَّان" [1] ؛ ولذلك نجده يقدم اعتذارًا لقارئه، فيقول:"وليعذر الواقف عليه والمحدق ببصيرته إليه فإني ألفته والقلب مقروح والفؤاد بأسياف الهم مجروح" [2] .
ويمكن أن نتبين منهج الزركشي فيما يلي:
1 -وضع الزركشي عبارة ابن مالك نصب عينيه، فهو يدور في فلكها لا يحيد عن مضمونها؛ فلم يكن يستطرد ليخرج القارئ مما هو فيه، محاولًا أن يصل إلى ما فيها ليشرحها ويوضحها، مستعينًا بثقافته الموسوعية، ومصادره الكثيرة. وكان حريصًا على أن يكون شرحه وافيًا بالمقصود؛ فلا يشعر القارئ بفجوة بين النظم والشرح.
2 -حرص الزركشي على أن يقارن بين عبارة ابن مالك وآرائه في كتبه الأخرى، كالتسهيل وشرحه، والكافية الشافية وشرحها، وعمدة الحافظ وشرحها، وكان هدفه من ذلك كله بتبيين مذهب ابن مالك وفهم عبارته.
3 -كان الزركشي ينتصر لابن مالك، ويعتذر عنه، ويرد اعتراض المعترضين عليه، كأبي حيان وغيره.
4 -عُني الزركشي بتقسيم الموضوع وتحديده، فنجده بعد أن يفرغ من شرحه، يذكر خلاصة الموضوع وتقسيماته، ولذلك شاعت في كتابه ألفاظ، مثل: (وبالجملة) و (الحاصل) ، ونحوهما، كما عُني بتوضيح مواضع الخلاف وتبيينه، ومن ذلك قوله:"اختلف في بناء هذا القسم - أي المضاف إلى غير متمكن من الظروف المبهمة - هل ينقاس؟ فالأكثرون على أنه لا ينقاس، وذهب المبرد في الكامل، وتبعه ابن الدهان في الغرة إلى أنه منقاس" [3] .
(1) انظر ص67.
(2) انظر السابق.
(3) انظر ص56.