لأنه من المعلوم عند جميع المسلمين أنه إذا دخل رمضان لا يمكن أن يتخلله يوم بدون صيام.
القول الثاني: يجب أن ينوي كل يوم بيومه من ليلته.
وهذا هو المشهور من المذهب، وهو مذهب الجمهور.
أ- قالوا: لأن كل يوم عبادة مستقلة.
قال ابن قدامة: ولأن هذه الأيام عبادات لا يفسد بعضها بفساد بعض، ويتخللها ما ينافيها، فأشبهت القضاء.
ب- ولأنه صوم واجب، فوجب أن ينوي كل يوم من ليلته، كالقضاء. (المغني) .
والراجح القول الأول.
ويظهر أثر الخلاف: لو نام مكلف قبل الغروب، ولم يفق إلا من الغد بعد الفجر، فعلى المذهب لا يصح صومه، وعلى القول الراجح يصح صومه.
• ما الحكم لو قال: إن كان غدًا من رمضان فهو فرضي؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: لا يصح.
وهذا مذهب المالكية والشافعية والحنابلة.
أ- لحديث الباب، قالوا: إن الحديث صريح في تبييت النية من الليل، فيكون نصًا في المسألة.
ب- ولأن هذا تردد في النية، والنية لا بد فيها من الجزم
القول الثاني: أنه يصح.
وهذا اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، واختاره الشيخ ابن عثيمين.
لأن هذا الرجل علق النية لأنه لا يعلم هل غدًا من رمضان أم لا؟ فتردده مبني على التردد في ثبوت الشهر، لا على التردد هل يصوم أم لا؟
وهذا القول هو الصحيح.
قال ابن تيمية: وَتَحْقِيقُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: أَنَّ النِّيَّةَ تَتْبَعُ الْعِلْمَ فَإِنْ عَلِمَ أَنَّ غَدًا مِنْ رَمَضَانَ فَلَا بُدَّ مِنْ التَّعْيِينِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ. فَإِنْ نَوَى نَفْلًا أَوْ صَوْمًا مُطْلَقًا لَمْ يُجْزِئْهُ؛ لِأَنَّ اللَّهَ أَمَرَهُ أَنْ يَقْصِدَ أَدَاء الْوَاجِبِ عَلَيْهِ وَهُوَ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي عَلِمَ وُجُوبَهُ فَإِذَا لَمْ يَفْعَلْ الْوَاجِبَ لَمْ تَبْرَأْ ذِمَّتُهُ. وَأَمَّا إذَا كَانَ لَا يَعْلَمُ أَنَّ غَدًا مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ فَهُنَا لَا يَجِبُ عَلَيْهِ التَّعْيِينُ وَمَنْ أَوْجَبَ التَّعْيِينَ مَعَ عَدَمِ الْعِلْمِ فَقَدْ أَوْجَبَ الْجَمْعَ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ. فَإِذَا قِيلَ إنَّهُ يَجُوزُ صَوْمُهُ وَصَامَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ بِنِيَّةٍ مُطْلَقَةٍ أَوْ مُعَلَّقَةٍ أَجْزَأَهُ.
فائدة: وهذه المسألة تحدث في رجل نام مبكرًا ليلة الثلاثين من شعبان، وفيه احتمال أن تكون هذه الليلة من رمضان.
657 -وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ (دَخَلَ عَلَيَّ اَلنَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - ذَاتَ يَوْمٍ. فَقَالَ:"هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ?"قُلْنَا: لَا. قَالَ:"فَإِنِّي إِذًا صَائِمٌ"ثُمَّ أَتَانَا يَوْمًا آخَرَ, فَقُلْنَا: أُهْدِيَ لَنَا حَيْسٌ, فَقَالَ:"أَرِينِيهِ, فَلَقَدْ أَصْبَحْتُ صَائِمًا"فَأَكَلَ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
(أُهْدِيَ لَنَا حَيْسٌ) بفتح الحاء، هو شيء يُتخذ من تمر وسمن وأقط.
• ماذا نستفيد من حديث عائشة؟
نستفيد: أن صوم النافلة يجوز من النهار.
لقوله (قَالَ: فَإِنِّي إِذًا صَائِمٌ) .
قال النووي: الحديث دليل لمذهب الجمهور أن صوم النافلة يجوز بنية في النهار قبل الزوال. [قاله النووي]
وذهب بعض العلماء إلى أنه لا يصح صوم التطوع بنية من النهار.
قال النووي: ويتأوله الآخرون على أن سؤاله - صلى الله عليه وسلم: هل عندكم شيء؟ لكونه ضعف عن الصوم وكان نواه من الليل، فأراد الفطر للضعف، وهذا تأويل فاسد وتكلف بعيد.
• ماذا يشترط لمن نوى الصيام من النهار في صوم النفل؟
يشترط: أن لا يكون قد أكل شيئًا من بعد الفجر.
• وهل يشترط أن تكون النية قبل الزوال؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: أنه يشترط أن يكون قبل الزوال.
وهذا مذهب أبي حنيفة والمشهور من قولي الشافعي.
قالوا: لأن معظم النهار مضى من غير نية، بخلاف الناوي قبل الزوال، فإنه قد أدرك معظم العبادة.
القول الثاني: يجوز ولو بعد الزوال.
وهذا مذهب الحنابلة.
أ- لحديث الباب (فإني إذًا صائم) .
وجه الاستدلال: أنّ حديث عائشة رضي الله عنها مطلق من غير فصل بين ما قبل الزوال وبعده، فدلَّ على أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قد صام بنية من النهار، ولا فرق بين أوَّله وآخره.
ب- قالوا، إنّه قول معاذ وابن مسعود وحذيفة، ولم ينقل عن أحد من الصّحابة - رضي الله عنهم ما يخالفه صريحًا.
قال ابن تيمية: واختلف قولهما - أي الشافعي وأحمد - هل يجزئ التطوُّع بنية بعد الزوال؟ والأظهر صحته، كما نقل عن الصحابة.
ج- ولأنّ النّيّة وجدت في جزء النّهار، فأشبه وجودها قبل الزّوال بلحظة.
د- قال الزركشي: لأنّ ما صحَّت النية في أوله صحَّت في آخره، كالليل.
وهذا الصحيح.
• إن نوى الصوم أثناء النهار، هل يكتب له أجر الصوم يومًا كاملًا أو يكتب له من نيته؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: أنه يكتب له أجر اليوم الكامل.
قالوا: لأن الصوم الشرعي لا بد أن يكون من أول النهار.