أَبْيَضَ مِثْلِ الصَّفَا فَلَا تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ، وَالْآخَرُ أَسْوَدُ مُرْبَادٌ كَالْكُوزِ مُجَخِّيًا، لَا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا وَلَا يُنْكِرُ مُنْكَرًا إِلَّا مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ) [1] .
المظهر الخامس: عدم الشكر في السراء، وعدم الصبر في الضراء، وإنما يأتي ذلك من ضعف الإيمان، والفتور في الصلة بين العبد وخالقه، فلو أن العبد استحضر أن كل نعمة تصل إليه إنما هي من الله وحده، لشكر الله عليها، فتزداد صلته بخالقه الذي مَنَّ عليه بهذه النعم وغيرها، ولو أنه حينما تحل به مصيبة، أو تقع به كارثة، علم بأنها ابتلاء وامتحان من الله، ليصبر عليها، لينال أجر الصابرين، فيفوز مع الفائزين، ولا يكون الشكر في امتحان النعمة، والصبر في امتحان الشدة إلا من المؤمنين.
يقول النبي - صلى الله عليه وسلم: (عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ) [2] .
فلننتبه أن تغرقنا الفرحة بالنعمة في بحر الكفر بمن مَنَّ بها علينا، أو توقعنا المصيبة في فقدان الأمل في الفرج بمن عنده مفاتيح الفرج سبحانه وتعالى.
المظهر السادس: المجاهرة بالمعصية، وعدم مبالاة المرء بمعرفة الناس بوقوعه فيها، وهي من أعلى مراتب الفتور، حتى حذّر النبي - صلى الله عليه وسلم - منها في قوله: (كُلُّ أُمَّتِي مُعَافًى إِلَّا الْمُجَاهِرِينَ، وَإِنَّ مِنَ الْمُجَاهَرَةِ أَنْ يَعْمَلَ الرَّجُلُ بِاللَّيْلِ عَمَلًا، ثُمَّ يُصْبِحَ وَقَدْ سَتَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ فَيَقُولَ: يَا فُلَانُ، عَمِلْتُ الْبَارِحَةَ كَذَا وَكَذَا، وَقَدْ بَاتَ يَسْتُرُهُ رَبُّهُ، وَيُصْبِحُ يَكْشِفُ سِتْرَ اللَّهِ عَنْهُ) [3] .
وما أشنع هذا الفعل الذي تتوغل النفس فيه في غمرة المعصية المقترنة بالجهل، فيزيد على وباء الذنب، ظلمة الانسلاخ من الحياء من الله ومن خلقه، وإن الحياء لشعبة من شعب الإيمان، فكيف إذا كان من الله تعالى!!
أما تشتاق نفس هذا المجاهر بالمعصية، إلى ستر الله تعالى يوم القيامة، الذي جعله الله لمن أذنبوا ولم يجاهروا، يقول النبي - صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ اللَّهَ يُدْنِي الْمُؤْمِنَ فَيَضَعُ عَلَيْهِ كَنَفَهُ وَيَسْتُرُهُ، فَيَقُولُ: أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا، أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا، فَيَقُولُ: نَعَمْ أَيْ رَبِّ، حَتَّى إِذَا قَرَّرَهُ بِذُنُوبِهِ، وَرَأَى فِي نَفْسِهِ
(1) رواه مسلم.
(2) رواه مسلم.
(3) رواه مسلم.