فهرس الكتاب

الصفحة 21 من 25

ومن جهل برقابة الله عليه، وسمعه لكلامه، ونظره إليه، وعلمه بحركاته وسكناته، ولم يؤمن بقدرة الله عليه، أو تغافل عن هذا كله، فقد نزع عن نفسه لبوس الحياء من الخالق سبحانه، ومن لم يستح فليصنع ما يشاء، فلا عجب بعد هذا إذا فتر أو قصر.

فأين هؤلاء من قول الله تعالى: {يَسْتَخْفُونَ مِنْ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنْ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنْ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا} .

أخي الحبيب: إن من تأمل أحوال المتنكبين عن طريق الهداية بعد التزامهم بها يجد غفلتهم عن عظمة الله - سبحانه وتعالى - تتربع في قلوبهم، وإلا فهل يستخف بالمعصية من يعلم بأن الله يراه ويسمعه ويحاسبه، وهل يسرق الناس أموالهم من يعلم أن الله هو الرزاق ذو القوة المتين، وهل من يستعلي على الخلق ويظلمهم يوقن بقدرة الله عليه؟؟ إن لتعظيم الله في النفوس لأثرًا يعلم به الذين أسهروا ليلهم قيامًا لله ركعًا وسجدا، وأمضوا نهارهم صيامًا وذكرًا.

إذا ما خلوت الدهر يومًا فلا تقل ... خلوت ولكن قل عليّ رقيبُ

ولا تحسبن الله يغفل ساعة ... وأن ما تخفي عليه يغيب

السبب الحادي عشر: استحقار صغائر الذنوب، والاستهانة بعقوبتها، وإنها والله القطرات التي أجرت سيول الفجور، والحصى الصغيرة التي تراكمت منها جبال الذنوب، فمرة نقول: صغائرُ، ومرة نقول: لممٌ، وما الأمر إلا ملائكة يكتبون، وصحف تملا، ورب يحصي، في كتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، فهل علم الفاتر عن الطاعة ذلك كله؟

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ - رضي الله عنه - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: إِيَّاكُمْ وَمُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ، فَإِنَّهُنَّ يَجْتَمِعْنَ عَلَى الرَّجُلِ حَتَّى يُهْلِكْنَهُ، وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ضَرَبَ لَهُنَّ مَثَلًا كَمَثَلِ قَوْمٍ نَزَلُوا أَرْضَ فَلَاةٍ، فَحَضَرَ صَنِيعُ الْقَوْمِ، فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَنْطَلِقُ فَيَجِيءُ بِالْعُودِ، وَالرَّجُلُ يَجِيءُ بِالْعُودِ، حَتَّى جَمَعُوا سَوَادًا، فَأَجَّجُوا نَارًا، وَأَنْضَجُوا مَا قَذَفُوا فِيهَا) [1] .

قال بعض السلف:(تسامحت بلقمة فتناولتها، فأنا اليوم من أربعين سنة إلى

خلف).

خل الذنوب كبيرها ... وصغيرها ذاك التقى

واحذر كماش فوق أر ... ض الشوك يحذر ما يرى

لا تحقر صغيرة ... إن الجبال من الحصى

(1) رواه الإمام أحمد، وهو صحيح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت