السبب التاسع: الانفراد والعزلة، ففي زمن كثرت فيه المغريات، وتنوعت فيه وسائل الشهوات، وسهلت فيه الخلوة بما حرم من المثيرات، أصبحت العزلة وسيلة إلى الفتور، وطريقًا إلى الخور والضعف؛ لأن المسلم حينما ينفرد لا يعرف صوابه من خطئه، ولا قوته من ضعفه، فتراه يسير متخبطًا في عمى، بلا دليل يدل، ولا حكيم يرشد، فيسهل قياده من الشيطان للتقصير والهوى، وإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية.
من هنا: جاءت التعليمات النبوية بالأمر بالتمسك بالجماعة، والتحذير من الفرقة والاختلاف، لأن الله لا يجمع الأمة على ضلالة، فمن تمسك بهديها اهتدى، ومن شق جماعتها ضل وغوى.
يقول النبي - صلى الله عليه وسلم: (عَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ وَإِيَّاكُمْ وَالْفُرْقَةَ؛ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ مَعَ الْوَاحِدِ، وَهُوَ مِنَ الِاثْنَيْنِ أَبْعَدُ، مَنْ أَرَادَ بُحْبُوحَةَ الْجَنَّةِ فَلْيَلْزَمِ الْجَمَاعَةَ) [1] .
ولعلك _ أيها القارئ الكريم _ تذكر قصة الرجل الذي قتل تسعة وتسعين رجلًا، فإنه لما هداه الله تعالى على يدي ذلك العالم، وتأكد العالم من توبته وصدق إنابته، لم يتركه يعبد الله وحده، بل قال له: (انْطَلِقْ إِلَى أَرْضِ كَذَا وَكَذَا؛ فَإِنَّ بِهَا أُنَاسًا يَعْبُدُونَ اللَّهَ فَاعْبُدِ اللَّهَ مَعَهُمْ، وَلَا تَرْجِعْ إِلَى أَرْضِكَ فَإِنَّهَا أَرْضُ سَوْءٍ، فَانْطَلَقَ حَتَّى إِذَا نَصَفَ الطَّرِيقَ، أَتَاهُ الْمَوْتُ، فَاخْتَصَمَتْ فِيهِ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ وَمَلَائِكَةُ الْعَذَابِ، فَقَالَتْ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ جَاءَ تَائِبًا مُقْبِلًا بِقَلْبِهِ إِلَى اللَّهِ، وَقَالَتْ مَلَائِكَةُ الْعَذَابِ: إِنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ، فَأَتَاهُمْ مَلَكٌ فِي صُورَةِ آدَمِيٍّ فَجَعَلُوهُ بَيْنَهُمْ، فَقَالَ: قِيسُوا مَا بَيْنَ الْأَرْضَيْنِ فَإِلَى أَيَّتِهِمَا كَانَ أَدْنَى فَهُوَ لَهُ، فَقَاسُوهُ فَوَجَدُوهُ أَدْنَى إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي أَرَادَ، فَقَبَضَتْهُ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ) رواه مسلم.
وإنها لثمرة يانعة لمن قصد الله بالتوبة، وقصد أهل الخير والصلاح ليعينوه بعد الله على عبادة الله تعالى، فلنعم القصد، ولنعمت النتيجة.
السبب العاشر: عدم معرفة الله حق معرفته، والجهل بعظمته في النفوس؛ فإن من عرف الله تعالى بأسمائه وصفاته، لم تجرؤ نفسه على التقصير في عبادته، أو الوقوع في معصيته، أو الخلوة بالخطيئة، أو المجاهرة بالسيئة.
(1) رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح.