قال ابن حجر _ رحمه الله _:(إن المقصود بالحديث هو الترغيب في ملازمة العبادة، والطريق الموصل إلى ذلك؛ هو الاقتصاد فيها، لأن التشديد فيها قد يؤدي إلى تركها وهو
مذموم) [1] .
ويشير الإمام الشاطبي _ رحمه الله _ إلى هذا المعنى فيقول: (( إن المكلف لو قصد المشقة في عبادته، وحرص على الوقوع فيها، حتى يعرض نفسه لمضاعفة الثواب، فإنه يعرض نفسه في واقع الأمر لبغض عبادة الله تعالى، وكراهية أحكام الشريعة، التي غرس الله حبها في القلوب، كما يدل عليه قوله تعالى: {ولكنَّ الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم} ، وذلك لأن النفس تكره ما يفرض عليها، إذا كان من جنس ما يشق الدوام عليه، بحيث لا يقرب وقت ذلك العمل الشاق، إلا والنفس تشمئز منه، وتود لو لم تعمل، أو تتمنى أنها لم تلتزم ) ) [2] .
ويكفينا قول النبي - صلى الله عليه وسلم: (خُذُوا مِنَ الْعَمَلِ مَا تُطِيقُونَ؛ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا، وَأَحَبُّ الصَّلَاةِ إِلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - مَا دُووِمَ عَلَيْهِ، وَإِنْ قَلَّتْ، وَكَانَ إِذَا صَلَّى صَلَاةً دَاوَمَ عَلَيْهَا) [3] .
السبب السابع: الابتداع في الدين، وإنه لسبب خفي من أسباب الفتور، ومدخل للشيطان على النفس البشرية قلما تتنبه له، وذلك لأن هذه الشريعة الغراء ليست من صنع البشر، بل أحكامها إلهية، مصدرها الوحي، جاءت مؤصلة بكلام الله تعالى، وسنة النبي - صلى الله عليه وسلم -، أي: بالوحي الذي لا ينطق عن الهوى، من هنا كانت أحكامها متصفة بالحكمة، قائمة على المصلحة، مملوءة بالرحمة، وكان على العبد أن يقتصر عليها دون زيادة أو نقصان.
أما النقصان، فالخلل فيه واضح لا يحتاج إلى بيان؛ لأنه لا يجوز أن يفعل الإنسان ما يحلو له من الدين ويترك ما لا يهوى، فقد قال الله تعالى: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} .
وأما الزيادة على الدين، ولو كان ذلك بإنشاء العبادات أو الأذكار، أو ابتكار طرق جديدة في أداء الطاعات، فإن في ذلك كله زيادة في التكليف، ومشقة على العباد، بسببها قد يبغض
(1) فتح الباري 1/ 46.
(2) الاعتصام 1/ 222.
(3) رواه البخاري.