الإنسان العبادة المفروضة من ربه، والمشروعة من نبيه - صلى الله عليه وسلم -، وذلك لضيق وقت الإنسان، وتزاحم الواجبات عليه، مما يؤدي إلى ترك المطلوب المشروع، لفعل المبتدع المرفوض، وإنك سوف تجد هذا بوضوح في شأن المبتدعة، حيث ينشطون لبدعتهم، ويفترون عما أوجب عليهم، فما أجمل الاكتفاء بالسنة النبوية، وما أروع الاقتداء بالحبيب - صلى الله عليه وسلم -، وما أفضل السير على منهاج سلف الأمة المهديين.
عن أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ رَضِي اللَّه عَنْه قال: (جَاءَ ثَلَاثَةُ رَهْطٍ إِلَى بُيُوتِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَسْأَلُونَ عَنْ عِبَادَةِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فَلَمَّا أُخْبِرُوا كَأَنَّهُمْ تَقَالُّوهَا، فَقَالُوا: وَأَيْنَ نَحْنُ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، قَالَ أَحَدُهُمْ: أَمَّا أَنَا فَإِنِّي أُصَلِّي اللَّيْلَ أَبَدًا، وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَصُومُ الدَّهْرَ وَلَا أُفْطِرُ، وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَعْتَزِلُ النِّسَاءَ فَلَا أَتَزَوَّجُ أَبَدًا، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ: أَنْتُمُ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا، أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ، لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي) [1] .
وكم يفرحنا كثيرًا هروب جملة من المبتدعة من ضلالة البدعة، بعد أن أرهقتهم تكاليف بدعتهم، ولكن يحزننا وقوعهم في نار المعصية، ولا غرابة في ذلك؛ فالبدعة ليس مصيرها الفتور عن العبادة المشروعة فحسب، بل الضياع والحيرة في الأمر كله.
يقول ابن القيم _ رحمه الله _: (( كان السلف يسمون أهل الآراء المخالفة للسنة، وما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم - ... يسمونهم: أهل الشبهات والأهواء؛ لأن الرأي المخالف للسنة، جهل لا علم، وهوى لا دين، فصاحبه ممن اتبع هواه بغير هدى من الله، وغايته الضلال في الدنيا، والشقاء في الآخرة ) ) [2]
السبب الثامن: الرفقة السيئة، وهي الأخطبوط الذي يضم المصاب بداء الفتور، كلما حدثته نفسه بالعودة إلى الثبات، والعزيمة على الرشد، فتنته هذه الرفقة بعرض جديد من ألوان الهوى، وصور الفساد والخنا، فتراه يتوهم السعادة في مجالستهم، والسهر معهم، وإنها
لسعادة {كَسَرَابٍ بقيعة يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءه لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ} . وسوف يوفي الله تعالى المغتر برفقة السوء حسابه، ويريه كيف تكون الحسرة،
(1) رواه البخاري.
(2) إغاثة اللهفان 2/ 139.