غير أنك أيها العبد لك أن تجعل هذه الدنيا بزينتها وبهرجها طريقًا إلى جنة ربك، كيف لا وهي مزرعة الآخرة وطريق لها، وهي وإن كانت ممرًا، فإنها توصلك إلى المقر، فاختر مقرك في ممرك.
لا تتبع الدنيا وأيامها ذمًا ... وإن دارت بك الدائرة
من شرف الدنيا ومن فضلها ... أن بها تستدرك الآخرة
قال الفضيل _ رحمه الله _: جعل الله الشرَّ كله في بيت، وجعل مفتاحه حبَّ الدنيا، وجعل الخير كله في بيت وجعل مفتاحه الزهد في الدنيا.
وقال رجل للفضيل بن عياض: كيف أصبحت يا أبا علي؟ فكان يثقل عليه: كيف أصبحت؟ وكيف أمسيت؟ فقال: في عافية، فقال: كيف حالك، فقال: عن أيّ حال تسأل؟ عن حال الدنيا أو حال الآخرة؟ إن كنت تسأل عن حال الدنيا، فإن الدنيا قد مالت بنا وذهبت بنا كل مذهب، وإن كنت تسأل عن حال الآخرة، فكيف ترى حال من كثرت ذنوبه، وضعف عمله، وفني عمره، ولم يتزود لمعاده، ولم يتأهب للموت، ولم يخضع للموت، ولم يتشمر للموت، ولم يتزين للموت، وتزين للدنيا [1] .
قَالَ الْمُسْتَوْرِدُ بْنُ شَدَّادٍ: إِنِّي لَفِي الرَّكْبِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - إِذْ أَتَى عَلَى سَخْلَةٍ مَنْبُوذَةٍ، فَقَالَ: أَتُرَوْنَ هَذِهِ هَانَتْ عَلَى أَهْلِهَا؟ قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مِنْ هَوَانِهَا أَلْقَوْهَا، قَالَ: فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَلدُّنْيَا أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ عَلَى أَهْلِهَا) [2] .
فإذا علم العبد قيمة هذه الدنيا عند الله؛ بأن نعيمها يفنى، وجديدها يبلى، علم أنه لم يخلق لها، وإنما خلق للآخرة، فجد في العمل لها، ومزّق ثوب الفتور والتواني عن جسده، ولبس ثوب المثابرة في عبادته، ممتثلًا قول الله تعالى: {واعبد ربك حتى يأتيك اليقين} .
السبب الخامس: طول الأمل، وهذا هو قاتل الهمم، ومفتر القوى، قرين التسويف والتأجيل، وحبيب الخاملين الهاملين، وعدو الأتقياء النابهين.
ويكفي طول الأمل مذمة الله له، حيث قال في كتابه: (ذَرْهُمْ يَاكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ) .
(1) حلية الأولياء 8/ 86.
(2) رواه أحمد وابن ماجه وغيرهما وهو صحيح لغيره.