(المأخذ الثاني: تفسير القرآن مخالفًا لتفسير السلف، وموافقة للعقل والهوى)
تفسير القرآن هو حكاية عن مراد الله عز وجل، و السلف كانوا يهابون أن يخوضوا في آيات الله بدون علم، وعنهم في ذلك نقولٌ مشهورة. ولذلك سلكوا في تفسير كلام الله أسلم الطرق وأصحها. قال شيخ الإسلام: (َأصَحَّ الطُّرُقِ فِي ذَلِكَ أَنْ يُفَسَّرَ الْقُرْآنُ بِالْقُرْآنِ: فَمَا أُجْمِلَ فِي مَكَانٍ فَإِنَّهُ قَدْ فُسِّرَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ وَمَا اُخْتُصِرَ مِنْ مَكَانٍ فَقَدْ بُسِطَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ فَإِنْ أَعْيَاك ذَلِكَ فَعَلَيْك بِالسُّنَّةِ فَإِنَّهَا شَارِحَةٌ لِلْقُرْآنِ وَمُوَضِّحَةٌ لَهُ ... قال: وَحِينَئِذٍ إذَا لَمْ نَجِدْ التَّفْسِيرَ فِي الْقُرْآنِ وَلَا فِي السُّنَّةِ رَجَعْنَا فِي ذَلِكَ إلَى أَقْوَالِ الصَّحَابَةِ فَإِنَّهُمْ أَدْرَى بِذَلِكَ لِمَا شَاهَدُوهُ مِنْ الْقُرْآنِ وَالْأَحْوَالِ الَّتِي اخْتَصُّوا بِهَا: وَلِمَا لَهُمْ مِنْ الْفَهْمِ التَّامِّ وَالْعِلْمِ الصَّحِيحِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ: لَا سِيَّمَا عُلَمَاؤُهُمْ وَكُبَرَاؤُهُمْ كَالْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ وَالْأَئِمَّةِ الْمَهْدِيِّينَ:"مِثْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ... ومنهم الحبر عبد الله بن عباس ... وقال: [و] إذا لم تجد التفسير في القرآن ولا في السنة، ولا وجدته عن الصحابة، فقد رجع كثير من الأئمة في ذلك إلى أقوال التابعين،(( كمجاهد ابن جبر ) )فإنه كان آية في التفسير ... ثم قال: فَأَمَّا"تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ بِمُجَرَّدِ الرَّايِ فَحَرَامٌ حَدَّثَنَا مُؤَمَّلٌ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:" (( مَنْ قَالَ فِي الْقُرْآنِ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَلْيَتَبَوَّا مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ ) ). [فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (13/ 363 - 370] ) "
والعقلانيون القدماء، وأصحاب المدرسة الحديثة، و العقلانيون الجدد سلكوا في تفسير القرآن خلاف منهج السلف وطريقتهم، فقدموا عقولهم واعتقدوا أولًا، ثم ذهبوا يحرفون الكلم عن مواضعه تارة، ويلوون أعناق النصوص تارة أخرى حتى توافق ما اعتقدوه بعقولهم وآرائهم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في المعتزلة القدماء- ومن بعدهم على آثارهم: (وَالْمَقْصُودُ أَنَّ مِثْلَ هَؤُلَاءِ اعْتَقَدُوا رَايًا ثُمَّ حَمَلُوا أَلْفَاظَ الْقُرْآنِ عَلَيْهِ وَلَيْسَ لَهُمْ سَلَفٌ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانِ وَلَا مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ لَا فِي رَايِهِمْ وَلَا فِي تَفْسِيرِهِمْ وَمَا مِنْ تَفْسِيرٍ مِنْ تَفَاسِيرِهِمْ الْبَاطِلَةِ إلَّا وَبُطْلَانُهُ يَظْهَرُ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ ... ) [الفتاوى (13/ 358) ] .
-نماذج من التأويل والتحريف عند العقلانيين:-
أ- العقلانيون القدماء (المعتزلة) .
-أولوا قوله تعالى: {وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة} [القيامة: 22 - 23] إلى أن النظر يكون بذلك إلى الثواب لا إلى الله عز وجل، وقالوا في تفسيرها: أي منتظرة ثواب ربها. مخالفين بذلك ظاهر الآية، ومقتضى اللغة العربية، وتفسير السلف لهذه الآية. [انظر تفسير القرطبي للآية 23 من سورة القيامة] .