ويبعث أشجاني هديرُ [1] حمامةٍ ... تنوح كأن الطيرَ في الجوِّ تنعاك
أجول بفكري أبتغي لي قربةً ... أمُتُّ بها عندي الدعاء برُحماك [2]
تَجَرَّعْتُ مرَّ الصبر علِّيْ أراه في ... حسابيْ وعقبايَ السليمةُ عقباك
فطوبى لك القربى لدى الله منةٌ ... ونزلٌ كريمٌ في منازل نُسَّاك [3]
ومن أعظم مظاهر فقر المشاعر أو انعدامها عند بعض الأزواج ضرب الزوجة بلا مسوغ؛ فمن الأزواج من قسا قلبه، وغلظ طبعه، وتعدى طوره، وساء للدين فهمُه؛ حيث يضرب زوجته ضرب غرائب الإبل، ويسومها سوء العذاب عند أتفه الأسباب، وربما تستر بعض أولئك العتاة العساة القساة بالإذن القرآني بالضرب، ففهموه على غير وجهه.
وبعضهم يرى أن ذلك من الرجولةِ؛ فالرجولةُ في نظرهم تعني الظلم، والقهر، والتسلط، والاستعلاء، والاستبداد، والقوامةُ عندهم طوق في عنق المرأة لإذلالها وتسخيرها.
والعجيب أن ترى بعض هؤلاء يتذلل ويتمسكن لأهل الزوجة قبل الزواج، فإذا ما ظفر بإربه تنكَّر، وقلب ظهر المجن، فانقلبت ذلته طغيانًا، وتبدلت مسكنته تسلطًا وجبروتًا.
فتراه بعد ذلك يرفع يده أو عصاه على زوجته عند أدنى سبب، وربما بلا سبب، وربما ضربها هي وأولادها، وربما جمع إلى الضرب الشتمَ، والسبَّ، والقذف.
إن المرأة ليست هملًا مضاعًا، ولا لقىً مزدرى، وليست بهيمة تباع وتشترى، فيصنع بها ربُّها كيف يشاء.
إن للمرأة في هذه الحال الحقَّ الكامل في أن تشكو حالها إلى أوليائها، أو أن ترفع إلى الحاكم أمرها؛ لأنها إنسان مكرم داخل في قوله _ تعالى _: [وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا] الإسراء: 70.
(1) هكذا في الديوان، ولعلها: هديل.
(2) يعني أنه يحاول أن يتذكر عملًا صالحًا يجعله وسيلة يتوسل به حال دعائه لها.
(3) خواطر الحياة لمحمد الخضر حسين ص192_194.