ولي جارة [1] أودى بها سقمٌ إلى ... نوىً دون منآها المحيط بأفلاك
أيا جارتا عهد اللقاء قد انقضى ... فَصَمْتُكِ إذ أدعوك آخر ملقاك
أجارةُ هذا طائر الموت حائمٌ ... ليَذْهبَ من زهر الحياة بمجناك
وكيف يروم الصحب مني تصَبُّرًا ... ومركبةٌ حدباءُ [2] أرْسَتْ بميناك
وكنت ألاقي كلما جئتُ مُؤنسًا ... فمالي ألاقي اليوم صيحةَ مَنْعاك
حنانيكِ هل ساءتكِ مني خليقةٌ ... فأنكرتِ دنيانا وآثرت أخراك
وكنت أعَزِّي النفسَ من قبلُ إنني ... أفوت قرير المقلتين بمَحياك
ولم أدر ما طعمُ المنونِ فَذُقْتُهُ ... مساءَ لفظتِ الروحَ والعينُ ترعاك
هَوَى بكِ بينٌ لستُ أرجو وراءه ... زمانًا يجود الدهرُ فيه بمرآك
فهيهات أن أنساك ما عشتُ والأسى ... يموج بقلبي ما جَرَتْ فيه ذكراك
وهيهات لا أنسى مواطنَ كُنْتِ لي ... مُسَلِّيةً لا أُنْس إلا بمغناك
ولولاك لم أقضِ اليراعةَ حقَّها ... كأن نسيجَ الفكر حِيْكَ بيُمناك [3]
لقد صُنتِ في الحالين عهدًا فلا أرى ... لدى عسرةٍ إلا انطلاقَ مُحيَّاك
وأنت التي حبَّبْتِ ليْ العيشَ بعدما ... سئمتُ فَطيْبُ العيش بعضُ مزاياك
وإن سامني يومٌ شكاةً تدفَّقت ... دموعك من جفن يُخال هو الشاكي
يجافي الكرى عينيْ إذا مسَّكِ الضنى ... ويرتاح ما بين الحنايا [4] لمنجاك
تمرُّ بنا الأيام موصولة المنى ... فما ضرَّنا ألا نكونَ كأملاك
لياليك أيامٌ بمنزلة اللِّوى ... ومطلع أقمار السماء بمأواك
أجارةُ لو شاهدت كيف وقفت في ... مزارك لكنْ ما ظفرت بنجواك
إذًا لرأيت الحزنَ يَصْلى بناره ... حشًا وكأن الحزنَ شُدَّ بأسلاك
وعُدْتُ إلى البيت الكئيب كأنني ... خلقت فريدًا لست أعرف إلاك
أغصُّ بشجو كلما مرَّ موضعٌ ... حللت به والنفسُ مرآةُ سيماك
(1) الجارة يعني بها زوجته، والعرب تسمي الزوجة جارة.
(2) المركبة الحدباء: النعش.
(3) اليراعة: القلم، ويعني أنها من أعظم ما يعينه على الكتابة والتأليف.
(4) يعني القلب.