متخشعًا أمشي الضَّراءَ [1] كأنني ... أخشى الفجاءة من صيال أعادي
ما بين حزنٍ باطن أكل الحشا ... بلهيب سورته وسقم بادي
وردَ البريدُ بغير ما أمَّلْته ... تعس البريدُ وشاه وجهُ الحادي
فسقطت مغشيًا عليَّ كأنما ... نَهَشَتْ صميمَ القلب حَيَّةُ وادي
وَيْلُمِّه رزءًا أطار نَعيُّه ... بالقلب شعلة مارج وقَّاد [2]
قد أظلمت منه العيون كأنما ... كحل البكاءُ عيونها بقتاد [3]
إلى أن قال:
سر يا نسيمُ فبلِّغ القبرَ الذي ... بحمى الإمام تحيتي وودادي
إلى أن قال مصبرًا نفسه , سائلًا المغفرة لزوجته:
فاستهد يا محمودُ ربَّك والتمس ... منه المعونةَ فهو نعم الهادي
واسأله مغفرة لمن حلَّ الثرى ... بالأمس فهو مجيبُ كلَّ منادي
هي مهجةٌ ودَّعْتُ يوم زيالها [4] ... نفسي وعشت بحسرة وبعاد
تالله ما جفت دموعي بعدما ... ذهب الردى بك يا ابنة الأمجاد
لا تحسبيني ملْتُ عنك مع الهوى ... تالله ما تَرْكُ الوفاء بعاد [5]
قد كدتُ أقضي حسرةً لو لم أكن ... متوقعا لقياك يوم معادي
فعليك من قلبي التحية كلما ... ناحت مُطَوَّقَةٌ [6] على الأعواد [7]
وهذه مرثية قالها العلامة الأديب الشيخ محمد الخضر حسين × في رثاء زوجته السيدة زينب التي توفيت في القاهرة 1372هـ.
وكانت بارة صالحة, فقال فيها قصيدة بيَّن فيها لوعته على فراقها, وذكر ما كان لها من ود في قلبه, وما كانت عليه من خلق ودين ووفاء, قالها × وكان عمره آنذاك تسعًا وسبعين سنة:
أعاذل غُضَّ الطرفَ عن جفني الباكي ... فخطبٌ رمى الأكبادَ مني بأشواك
(1) الضرَّاء: الاستخفاء.
(2) ويْلُمِّه: أي ويل لأمه، والرزء: المصيبة، ونعيُّه: أي ناعيه والمخبر به، المارج: النار لا دخان لها.
(3) القتاد: الشوك.
(4) زيالها: يعني فراقها.
(5) بعاد: يعني بعادتي.
(6) المطوقة: الحمامة ذات الطوق وهي التي في عنقها ريش يخالف لونه باقي جسمها يشبه الطوق.
(7) ديوان محمد سامي باشا البارودي ص145_152.