فهرس الكتاب

الصفحة 24 من 94

قال البارودي × في رثاء زوجته [1] حين ورد إليه نعيها وهو بسرنديب:

أَيَدَ المنونِ قدحتِ أيَّ زنادِ ... وأطَرْت أيَّة شعلة بفؤادي

أوهنتِ عزميْ وهو حملةُ فيلقٍ ... وحَطَمْتِ عودي وهو رُمْحُ طرادي

لم أَدْرِ هل خطبٌ ألمَّ بساحتي ... فأناخ أم سهمٌ أصاب فؤادي

أقذى العيونَ فأسبلت بمدامعٍ ... تجري على الخدين كالفرصاد [2]

ما كنت أحسبني أراعُ لحادث ... حتى مُنيتُ به فأوهن آدي [3]

أبلتني الحسراتُ حتى لم يَكَدْ ... جسمي يلوح لأعين العواد [4]

أستنجد الزفراتِ وهي لوافحٌ ... وأُسَفِّه العبراتِ وهي بوادي

لا لوعتي تَدَعُ الفؤاد ولا يدي ... تقوى على ردِّ الحبيب الغادي

إلى أن يقول:

أسليلة القمرين أيُّ فجيعةٍ ... حلت لفقدك بين هذا النادي

أعزز عليَّ بأن أراك رهينةً ... في جوف أغبر قاتمِ الأسداد [5]

أو أن تبيني عن قرارة منزل ... كنت الضياءَ له بكل سوادي

لو كان هذا الدهرُ يقبل فديةً ... بالنفس عنك لكنتُ أولَ فادي

أو كان يرهب سطوة من فاتك ... لفعلت فعل الحارث بن عِبَاد [6]

لكنها الأقدارُ ليس بناجع ... فيها سوى التسليم والإخلاد

أفاستعين الصبر وهو قساوةٌ ... أم أصحب السلوان وهو تعادي

ومن البلية أن يسام أخو الأسى ... رعيَ التجلد وهو غير جماد

هيهات بعدك أن تقرَّ جوانحي ... أسفًا لبُعْدك أو يلينَ مهادي

ولهي عليك ملازمٌ لمسيرتي ... والدمع فيك ملازمٌ لوسادي

فإذا انتبهت فأنتِ أولُ ذكرتي ... وإذا أويتُ فأنتِ آخرُ زادي

أمسيت بعدك عِبْرةً لذوي الأسى ... في يوم كل مصيبة وحداد

(1) زوجته هي عديلة يكن بنت المشير أحمد يكن باشا، تزوجها، سنة 1867م، وأنجب منها ابنًا وأربع بنات، وتوفيت بالقاهرة سنة 1883م وهي في السابعة والثلاثين من عمرها، ونعيت إليه وهو منفي بسرنديب، فرثاها بهذه القصيدة الدالية التي تعد من عيون الشعر، وتبلغ 67 بيتًا.

(2) الفرصاد: صبغ أحمر، ويطلق على التوت.

(3) آدي: قوتي.

(4) العُوَّاد: الزوار.

(5) يعني به القبر.

(6) من سادات العرب وشعرائهم في الجاهلية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت