قال: أما إذا أراد الإنسان العافية من هذا الصبر، والبحث عن المتعة والهناءة والسعادة والصفاء، ووجد امرأة صالحة تحقق له في توقعه ذلك كله _ فليس هناك مانع شرعي أن يتزوج منها، ويعدل بين الزوجتين بما يستطيع من وسائل+ [1] .
هذا وقد تلقينا عن التاريخ, ورأينا بأعيننا أزواجًا عرفوا حقوق الزوجية، واحتفظوا بآدابها التي أمر الإسلام بها، فعاشوا في ارتياح وهناءة، موصولين بتعاطف واحترام.
وربما ظهر هذا فيما يصدر من الزوجين من عبارات الأسف والتحسر عند الوداع.
قال ابن زريق البغدادي لما ودع زوجته خارجًا لطلب الرزق في قصيدته العينية الطويلة المسماة باليتيمة:
استودع الله في بغدادَ لي قمرًا ... بالكرخ من فلك الأزرار مطلعُهُ
ودَّعته وبِوُدي لو يودعني ... طيبُ الحياة وأني لا أودعه
كم قد تَشَفَّع بي ألا أفارقه ... وللضرورات حالٌ لا تُشَفِّعُه
وكم تَشَبَّث بي يومَ الرحيل ضحى ... وأدمعي مستهلاتٌ وأدمعه
لا أكذب اللهَ ثوبُ العذر منخرقٌ ... عني بفُرقته لكن أُرَقِّعُه
إني أوسِّع عذري في جنايته ... بالبين عنه وقلبي لا يوسِّعه
أُعطيتُ ملكًا فلم أحسنْ سياسَتَه ... كذاك مَنْ لا يسوسُ الملكَ يخلعُه
ومن غدا لابسًا ثوبَ النعيمِ بلا ... شكر عليه فإن اللهَ يَنْزَعه
اعْتَضْتُ مِنْ بَعْدِ خِلِّي بعد فرقته ... كأسًا أُجرَّع منه ما أُجَرَّعه
كم قائلٍ ليَ ذنب البين قلت له: ... الذنب والله ذنبي لست أدفعه
ألا أقمت فكان الرشدُ أجمَعُهُ ... لو أنني يوم بان الرشدُ أتبعه
إني لأقطع أيامي وأنفذها ... بحسرة منه في قلبي تُقَطِّعه
بمن إذا هجع النُّوَّام بتُّ له ... بلوعة منه ليلي لست أهجَعُهُ
لا يطمئن لجنبي مضجعٌ وكذا ... لا يطمئن له مذ بِنْت [2] مضجعُه
إلى أن قال:
بالله يا منزلَ الأنس الذي درست ... آثارُه وعفت مُذْ بنْتُ أرْبُعُه
هَل الزمانُ مُعيدٌ فيك لَذَّتَنا ... أم الليالي التي أمْضَت تُرجِّعه
(1) نظرات في الأسرة المسلمة ص196.
(2) بنت: من البينونة وهي الفراق.