قال أبو عمرو الزجاجي: سألت الجنيد عن المحبة, فقال: تريد الإشارة ؟ قلت: لا , قال: تريد الدعوى ؟ قلت: لا قال: فأي شئ تريد ؟ قلت: عين المحبة0 فقال: أن تحب ما يحب الله تعالى في عباده , وتكره ما يكره الله تعالى في عباده ،ولا يمكن فهم نظرية الجنيد في المحبة الإلهية بمعزل عن نظريات أخرى له مثل نظريته في التوحيد0 فيرى الجنيد أن أرواح البشر آمنت منذ الأزل بالله تعالى وأقرت بتوحيده وهي لم تزل بعد في عالم الذر وقبل أن يخلق الله العالم والأجسام المادية التي هبطت تلك الأرواح إليها , وأن هذا هو التوحيد الكامل الخالص لأنه صدر عن أرواح مطهرة مجردة عن أعراض البدن وآفاته0 موجودة لا بوجودها المتعين الخاص , بل وجود الحق ذاته . ولقد أنزل الله سبحانه هذه الأرواح من عليائها إلى عالمنا هذا وألبسها ابدأنها قصدا للبلاء والاختبار , فشغل بعضها بأغراض الدنيا ونسى أصله وموطنه , وحن بعضها إلى العودة إلى ذلك الأصل وجعل غايته الوفاء بذلك الميثاق الذي أخذه الله عليه, والرجوع إلى تلك الحال التي كان عليها قبل أن يوجد في هذا العالم0 فإذا تم لهذه الأرواح ما أرادت , وحدت الله تعالى التوحيد الكامل الخالص - أو ما يقاربه- وفنيت عن وجودها الزمني وبقيت بالله وحده 0 وفي هذا الفناء في الحق يتحقق معنى الحب له 0 إذ الفناء عن الذات المتعينة هو عين المحبة لمن تبقى الذات حية فيه ولا تشهد سواه .
إن جوهر التصوف عند الجنيد هو الفناء عن الذات والبقاء بالله تعالى, أو هو الوصول إلى حال يكون فيها الحق سمع العبد وبصره على حد تعبير الحديث القدسي0 وفي هذه الحال يصبح الوجود الذاتي المتعين وجودا أتم وأكمل عن طريق البقاء بالله وفي الله0 ولكنها حال لا تدوم , فان العبد يعود بعدها إلى حال من الصحو الصوفي يشعر فيها بإثنينية المحب والمحبوب, فيستأنف الحنين إلى محبوبه من جديد ويشتاق إلى الاتصال به .
علامات المحب عنده: