الصفحة 30 من 49

ذكر القشيري في الرسالة [1] أن أبا بكر الكتاني قال:

جرت مسألة في المحبة بمكة أيام الموسم فتكلم الشيوخ فيها وكان الجنيد أصغرهم سنًا فقالوا: هات ما عندك يا عراقي ، فاطرق رأسه ودمعت عيناه ثم قال: عبدُ ذاهل عن نفسه ، متصل بذكر ربه ، قائم في حقوقه ، ناظر إليه بقلبه ، أحرق قلبه أنوار هويته ، وصفا شربه من كأس وده ، وانكشف له الجبار من أستار عينيه ، فإن تكلم فبالله ، وإن نطق فعن الله ، وإن تحرك فبأمر الله ، وأن سكت فمع الله ، فهو بالله ولله ومع الله ، فبكى الشيوخ وقالوا: ما على هذا من مزيد [2] .

وهذا الذي قاله رحمه الله هو ما فهمه من حديث النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه تعالى في حديث الولي: (فإذا أحببته , كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به , ويده التي يبطش بها , ورجله التي يمشى بها ) ، فهذا يؤكد ما ذكرناه عن الجنيد وأنه ممن قيد تصوفه بالكتاب والسنة ، فكان ثناء شيخ الإسلام عليه بقوله: (فإن الجنيد - قدس الله روحه - كان من أئمة الهدى) [3] .

وهذا منه رحمه الله مطابق لقول الله تعالى: ( قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ(31 ) ) [4] ، يقول ابن كثير -رحمه الله -"هذه الآية الكريمة حاكمةٌ على كل من ادعى محبة الله وليس هو على الطريقة المحمدية فإنه كاذب في دعواه في نفس الأمر حتى يتبع الشرع المحمدي وقال الحسن البصري وغيره من السلف:زعم أقوام أنهم يحبون الله فابتلاهم الله بهذه الآية" [5]

(1) - صـ429 بتحقيق هاني الحاج .

(2) - ينظر من قضايا التصوف 59 .

(3) - الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان 36 .

(4) - آل عمران/31.

(5) - ابن كثير366/1.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت