ونراه أيضًا في موضع أخر يفرق بين الحب الذي يناقض حب الله تعالى ، وبين الذي هو حب في الله تعالى فيقول:-"من أحب الدراهم لا يحب الآخرة ، ومن أحب الخبز - ولست أعلم ماذا يقصد بها - لم يحب الله ، ولا يخرج الوالد والولد المحبين من المحبة ؛ لأن ذلك جعل الله في القلوب نصيبًا لهم ولا يخرجه أيضًا حب الزوجة بمعنى الرفق بها والرحمة لها ، ولا يخرجه أيضًا حب مصالح الدنيا من حاجات الأقسام والقلوب مما لا بد منه ، وليس ذلك كله يكون في مكان محبة الله ؛ لأن محبة الله في أنوار الإيمان ، ومحبة هذه الأشياء في مكان العقل، هكذا عندي في الفرق بين محبة الله ومحبة المخلوق ، ويخرجه جميع ذلك عند بعض المحبين من السلف [1] ، فأما الاشتغال بهذه الأشياء بالإيثار لها على التفرغ لمرضاة الله والانحطاط في أهوائها دون محبة الله فإن ذلك يخرجه عند الكل وعندي ، يخرج العبد من حقيقة المحبة السكون إلى غير الله ، والفرح بسواه والحزن على فوات غيره إياه [2] ."
وهكذا نرى أن القشيري"لا يرى ضرورة إلى القول بانقطاع المرء عن عالمه ، وانشغاله بالمحبة عن كسب عيشه ، والأخذ بأسباب الحياة ، بل يرى أن المرء مادام محبًا لربه منفذًا لأوامر الله ،فإنه يجب أن يتمثل مكارم الأخلاق التي هي موضع حب الله وحب رسوله ، فينظر إلى الناس بعين الرحمة والمحبة ، بل كان يتمنى لو يفتدى الخلْقَ جميعًا من عذاب الله ، رحمةً بهم وإحسانًا إليهم [3] ."
شرط المحبة عند التستري:-
ويختلط في أقوال سل المحبة بالمعروف ، لأنه يرى ضرورة التلازم بينهما ؛ لأن المحبة تابعة للمعرفة ، والمعرفة شرط في المحبة ، والمرء لا يحب إلاَّ بعد أن يعرف [4] .
علامات المحب عند التستري:-
(1) - لا أعلم من يعني بذلك من السلف إن كان على اصطلاحنا ، فلا أعلم أحدًا يقول بمثل هذا .
(2) - قوت القلوب 2 / 134 .
(3) - من قضايا التصوف 78 .
(4) - من قضايا التصوف 78 .