وصدق رحمه الله فإن توفيق الله لعبده إذا هو أحبه يقتضي إلهامه الاستغفار والشكر ، فالاستغفار دليل على اتهام النفس في جنب الله ودليل على محبة العبد لربه ، أما الشكر ففوق أنه يقتضي زيادة النعم من الله لعبده ، فهو دلالة على يقظة القلب ، وأدبه الجم مع خالقه ، واعترافه بفقره إلى المنعم ، فوجب الشكر له .
الحب عنده عطاء إلهي:
والتوفيق من الله عز وجل للعبد هو الذي يمنحه الحب"فالحب عند سهل عطاء ووهب ، وليس عملًا ولا كسبًا ، هو يفيض من الله دون انتظار أو سؤال من العبد ."
وهذه المعية التي يستشعرها التستري أعطاها أهمية قصوى في ضرورة ذكر المحبوب على لسان المحب وقلبه ، وباستغراق المحب في ذكر محبوبة ينصرف الذاكر عن كل لفظ يردده اللسان إلى حضور قلبي ينسى الذاكر فيه نفسه ، ويأتنس بحضوره مع ربه ؛ فيفنى عن نفسه ببقائه مع ربه ، ويرى التستري أن الذين يذكرون الله بحضورهم وبقائهم مع الله أعظم شأنًا وأعلى منزلة من أولئك الذين يقتصرون في ذكرهم على المواسم الشكلية ، والعبارات اللفظية وذلك راجع عنده إلى أن حياة الروح بالذكر ، وحياة الذكر بالذاكر ، وحياة الذاكر بالمذكور [1] .
فلسفة الفناء عند التستري:-
مما تقدم يتضح أن الفناء عند التستري نتيجة لاستغراق الذاكر في ذكر محبوبه ، والذاكر عنده يصل إلى حالة يستوي عنده فيها الأضداد فلا خير ولا شر ، ولا قرب ولا بعد [2] "ولكن سهلًا ليس ممن يقولون بالفناء المطلق ، وإنما هو نوع من الاتصال الدائم بالله ، نتيجة الشعور الدائم بمعيته ، دون خلط بين الرب والعبد ، هي غيبة للشعور عن الذكر نتيجة امتلاء القلب بالمذكور ، وهذا الغيبة مؤقتة ولا بد أن يعقبها حضور أو بقاء ، فالفناء عنده مؤقت لا يدوم ، ولا بد أن يعقبه صحو وحضور [3] ".
(1) - من قضايا التصوف 79 .
(2) - السابق والصفحة
(3) - السابق والصفحة .