إن المتتبع لأقوال الصوفية في المحبة وتعريفهم لها ، وتأملاتهم فيها ليجد العجب ! من غرابة بعض التعريفات ، وشطح الأخرى ، وسمو البعض الآخر ؛ فكأنه يصوغها من دررٍ أو هو ( قد ضمن الدرَّ إلا أنه كلم ) [1] ، ولا ريب أن القاريء المتأمل فيها لابد أن تترك في نفسه أثرًا ، فحواه صدق كثير من هذه المعاني ، وأنها لم تخرج إلا من قلوب تحرقت شوقًا إلى الله تعالى، ونعرف ذلك إذا ميّزنا( بين اتجاهين في المحبة:
الاتجاه الأول: وهو ما يلتزم في تعبيره عن المحبة بالمعنى السابق ، ويتمثله في سلوكه ، فيكون المحب واعيًا بماذا يقول ، أو ماذا يفعل ، ويجيء مقاله عن المحبة معبرًا عن حاله فيها ، ملتزمًا في ذلك بالأوامر والنواهي الشرعية .
أما الاتجاه الثاني: فنجد المحبة عنده تأخذ معنى خاصًا اصطلاحيًا ، ونجد تعبيره عنها يأخذ شكلًا رمزيًا أقرب ما يكون إلى الألغاز التي قد لا يفهمها إلاّ نمط معين من خاصة الصوفية ، و يتضح لنا من ذلك ن أقوالهم في المحبة ) [2] .
فإذا ما نقلنا كلام أحدهم بنصه وفصه ، سنعلم تفصيل ما ذكره أستاذي ، الأستاذ الدكتور: محمد السيد الجليند ، في كلامه السابق عن الاتجاه الثاني ؛ فهذا أبو زيد عبدالرحمن بن محمد الأنصاري القيرواني المتوفى سنة 696هـ يقول في كتابه ( مشارق أنوار القلوب ، ومفاتيح أسرار الغيوب ) عن المحبة عند الصوفية:
(1) - من قصيدة عتاب لسيف الدولة ، من المتنبي مطلعها ( واحر قلباه ممن قلبه شبم ) .
(2) - من قضايا التصوف في ضوء الكتاب والسنة . أ د: محمد السيد الجليند: 58 .