ليس فيها من ذلك شيء فهي أهون عليه من ابتدائه , فهذا ما احتج به على الطائفة المقرة بالخلق .
وأما الطائفة التي أنكرت الخلقَ الأول والثاني وقالت بقِدَمِ العالم فإنما دخلت عليهم شبهة بأن قالوا:"وجدنا الحياة رَطبة حارة والموت باردا يابسا , وهو من طبع التراب , فكيف يجوز أن يجمع بين الحياة والتراب والعظام النَّخِرة فيصير خلقا سويا , والضدان لا يجتمعان". فأنكروا البعث من هذه الجهة .
ولَعُمْري إنَّ الضِّدين لا يجتمعان في محل واحد , ولا في جهة واحدة ولا في الموجود في المحل , ولكنه يصح وجودهما في محلين على سبيل المجاورة , فاحتج الله تعالى عليهم بأن قال: {الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَارًا فَإذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ} [1] فردهم الله - عز وجل - في ذلك إلى ما يعرفونه ويشاهدونه من خروج النار على حرها ويبسها من الشجر الأخضر على بردها ورطوبتها , فجعل جواز النشأة الأولى دليلا على جواز النشأة الآخرة , لأنها دليل على جواز مجاورة الحياة التراب والعظام النخرة فجعلها خلقا سويا , وقال: {كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ} [2]
وأما ما يتكلم به المتكلمون مِن أنّ للحوادث أولا وردهم على الدهرية أنه لا حركة إلا وقبلها حركة , ولا يوم إلا وقبله يوم , والكلام على من قال: ما من جزء إلا وله نصف لا إلى غاية , فقد وجدنا أصل ذلك في سنة رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - حين قال «لا عدوى ولا طيرة» فقال أعرابي:"فما بال الإبل كأنها الظِّباء تدخل في الإبل الجربى فتجرب ؟"فقال
(1) يس: 80
(2) الأنبياء: 104