فكذلك الكلام في جواز البعث واستحالته الذي قد اختلف عقلاء العرب ومَن قبلهم مِن غيرهم فيه حتى تعجبوا من جواز ذلك فقالوا: {أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ} [1] وقولهم: {هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ} [2] وقولهم {مَن يُحيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ} [3] وقوله تعالى {أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ} [4] وفي نحو هذا الكلام منهم إنما ورَد بالحِجاج في جواز البعث بعد الموت في القرآن تأكيدا لجواز ذلك في العقول , وعلم نبيه - صلى الله عليه وآله وسلم - ولقَّنه الحجاج عليهم في إنكارهم البعث من وجهين على طائفتين: منهم طائفة أقرَّت بالخلق الأول وأنكرت الثاني , وطائفة أنكرت ذلك بقدم العالم , فاحتج على المُقِرِّ منها بالخَلق الأول بقوله {قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ} [5] وبقوله {وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ} [6] وبقوله {كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ} [7] فنبَّههم بهذه الآيات على أنَّ مَن قدر أنْ يفعل فعلا على غير مثال سابق فهو أقدرُ أن يفعل فعلا محدثا فهو أهونُ عليه فيما بينكم وتَعارفكم . وأما البارئ جل ثناؤه وتقدست أسماؤه فليس خلقُ شيءٍ بأهونَ عليه من الآخر . وقد قيل: إن الهاء في"عليه"إنما هي كناية للخلق بقدرته , إنَّ البعث والإعادة أهون على أحدكم وأخفُّ عليه من ابتداء خلقه , لأن ابتداء خلقه إنما يكون بالولادة والتربية وقطع السُّرة والقِماطِ وخروج الأسنان وغير ذلك من الآيات الموجعة المؤلمة , وإعادته إنما تكون دفعة واحدة
(1) ق: 3
(2) المؤمنون: 36
(3) يس: 78
(4) المؤمنون: 35
(5) يس: 79
(6) الروم: 27
(7) الأعراف: 29