الجواب الثاني أنْ يقال لهم: إن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - لم يجهل شيئا مما ذكرتموه من الكلام في الجسم والعرض والحركة والسكون والجزء والطَّفرة وإن لم يتكلم في كل واحد من ذلك معيَّنا , وكذلك الفقهاء والعلماء من الصحابة , غير أن هذه الأشياء التي ذكرتموها معينة أصولُها موجودة في القرآن والسنة جملةً غيرَ مفصَّلةٍ .
فأما الحركة والسكون والكلام فيهما فأصلهما موجود في القرآن وهما يدلان على التوحيد , وكذلك الاجتماع والافتراق . قال الله تعالى مخبرا عن خليله إبراهيم - صلوات الله عليه وسلامه - في قصةِ أُفول الكوْكب والشمس والقمر وتحريكها من مكان إلى مكان ما دل على أن ربه عز وجل لا يجوز عليه شيء من ذلك , وأنّ مَن جاز عليه الأُفول والانتقال مِن مكان إلى مكان فليس بإله .
وأما الكلام في أصول التوحيد فمأخوذ أيضا من الكتاب . قال الله تعالى {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا} [1] وهذا الكلام موجَزٌ منبِّهٌ على الحجة بأنه واحد لا شريك له , وكلام المتكلمين في الحجاج في التوحيد بالتَّمانع والتغالب فإنما مرجِعه إلى هذه الآية , وقوله عز وجل: {مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ} [2] وإلى قوله عز وجل: {أَمْ جَعَلُواْ لِلّهِ شُرَكَاء خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ} [3] وكلام المتكلمين في الحجاج في توحيد الله إنما مرجِعه إلى هذه الآيات التي ذكرناها , وكذلك سائر الكلام في تفصيل فروع التوحيد والعدل إنما هو مأخوذ من القرآن ,
(1) الأنبياء: 22
(2) المؤمنون: 91
(3) الرعد: 16